ذاكر لهيذب يعلّق على قضية «تاجر المياه» و«صاحب التبان الأزرق»: اسمعوا الطرفين قبل إصدار الأحكام
عاد الجدل بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس حول القضية التي اشتهرت خلال الأيام الأخيرة بتسميات متداولة مثل «تاجر المياه» و«صاحب التبان الأزرق»، وذلك بعد انتشار مقاطع فيديو ومنشورات وتعليقات تناولت الواقعة من زوايا مختلفة، وأثارت موجة واسعة من التفاعل والانقسام بين رواد المنصات الرقمية.
وبينما اختار عدد من المتابعين الانحياز سريعًا إلى إحدى الروايتين المتداولتين، والدخول في موجة من التعليقات الساخرة أو الانتقادات الحادة، برز موقف الدكتور ذاكر لهيذب، الذي تناول القضية من زاوية مختلفة، داعيًا إلى التروي وعدم إصدار الأحكام اعتمادًا على مقطع فيديو أو رواية واحدة.
وأكد لهيذب، في تدوينة أثارت بدورها تفاعلًا واسعًا، أن الوصول إلى فهم أقرب للحقيقة في مثل هذه القضايا يقتضي الاستماع إلى جميع الأطراف، وعدم تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء لإصدار الأحكام النهائية قبل معرفة كامل المعطيات.
«كل حكاية يلزمك تسمعها من الطرفين»
في تعليقه على القضية، شدد الدكتور ذاكر لهيذب على ضرورة عدم التسرع في تبني موقف نهائي تجاه الأشخاص الذين يظهرون في مقاطع الفيديو المتداولة.
واختصر موقفه في فكرة واضحة مفادها أن كل خلاف أو حادثة يمكن أن تبدو مختلفة تمامًا عندما يتم الاستماع إلى رواية الطرفين، معتبرًا أن مشاهدة جزء من الواقعة أو الاطلاع على مقطع قصير لا يعني بالضرورة امتلاك جميع التفاصيل التي تسمح بالحكم على ما حدث.
وقال، في هذا السياق، إن «كل حكاية يلزمك تسمعها من الطرفين»، في دعوة مباشرة إلى الابتعاد عن ثقافة إصدار الأحكام السريعة التي أصبحت ترافق عددًا كبيرًا من القضايا التي تتحول إلى «ترند» على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل السرعة الكبيرة التي تنتشر بها مقاطع الفيديو اليوم، حيث يمكن لتسجيل قصير، قد لا يتجاوز بضع دقائق، أن يصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص في وقت وجيز، ثم يصبح أساسًا لتكوين رأي عام واسع، رغم أن جزءًا مهمًا من الأحداث قد يكون وقع قبل بدء التصوير أو بعد توقفه.
مواقع التواصل الاجتماعي ومحاكمة الأشخاص قبل معرفة الحقيقة
وتحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة مؤثرة في صناعة الرأي العام، لكنها أصبحت في الوقت نفسه مسرحًا لما يصفه كثيرون بـ«المحاكمات الافتراضية» أو «محاكمات الفايسبوك».
فبمجرد انتشار مقطع فيديو، تبدأ التعليقات في تحديد من هو المخطئ ومن هو الضحية، ومن يستحق التعاطف ومن يستحق الإدانة، وقد تتحول هذه الأحكام في بعض الأحيان إلى حملات واسعة من السخرية أو التشهير أو السب.
وفي قضية «تاجر المياه» و«صاحب التبان الأزرق»، ظهر هذا الأمر بوضوح من خلال حجم التفاعل الكبير مع المحتوى المتداول، حيث انقسم المتابعون بين من اعتبر أن الفيديو المعروض يكفي لتحديد المسؤوليات، وبين من طالب بمعرفة تفاصيل أوسع والاستماع إلى رواية جميع الأطراف.
وهنا يطرح موقف ذاكر لهيذب سؤالًا مهمًا: هل يمكن بالفعل لمقطع فيديو واحد أن يقدم الحقيقة كاملة؟
فالواقعة التي تظهر في تسجيل مصور قد تكون نتيجة خلاف سبق التصوير، أو استفزاز متبادل، أو نقاش طويل لم يظهر منه للجمهور سوى جزء محدود. ولهذا، فإن بناء موقف نهائي اعتمادًا على ثوانٍ أو دقائق من الفيديو قد يؤدي أحيانًا إلى أحكام غير دقيقة.
«في عصرنا الحالي نبحثوا على عدو سهل»
كما تناول ذاكر لهيذب طبيعة التفاعل الجماعي على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى ما وصفه بظاهرة البحث عن «عدو سهل» يمكن أن يتحول بسرعة إلى هدف للانتقادات والهجوم الجماعي.
ففي عدد كبير من القضايا التي تنتشر إلكترونيًا، يجد الجمهور نفسه أمام شخصية واحدة يتم التركيز عليها، ثم تبدأ موجة واسعة من السخرية أو الانتقاد، وقد يتوسع الأمر ليشمل نشر الصور والمقاطع والتعليقات الشخصية والمعلومات الخاصة.
ويتحول الشخص، في فترة قصيرة، إلى محور نقاش عام، حتى قبل أن تتوفر معلومات كافية حول ظروف الواقعة أو روايته للأحداث.
ويرى متابعون أن هذه الظاهرة أصبحت أكثر انتشارًا مع طبيعة المنصات الرقمية التي تعتمد على سرعة التفاعل، حيث تحظى المنشورات المثيرة والغاضبة والساخرة بمعدلات انتشار كبيرة، وهو ما قد يدفع البعض إلى نشر محتوى أكثر حدة دون التثبت بشكل كافٍ من خلفياته.
وفي هذا السياق، يبدو أن دعوة لهيذب لا تقتصر على هذه القضية وحدها، بل تتصل بطريقة التعامل عمومًا مع الأشخاص الذين يجدون أنفسهم فجأة في قلب موجة جدل إلكتروني.
الخلافات ليست دائمًا بسيطة كما تظهر في الفيديوهات
وتطرق لهيذب كذلك إلى طبيعة الخلافات والمشادات الكلامية التي قد تحدث بين الأشخاص، معتبرًا أن العديد من الوقائع قد تتضمن استفزازًا متبادلًا وعبارات جارحة وردود فعل مختلفة.
فالإنسان، في لحظة غضب، قد يقول أو يفعل ما لا يعكس بالضرورة شخصيته الكاملة أو ظروفه المعتادة، كما أن الجمهور الذي يشاهد جزءًا من الواقعة قد لا يكون على علم بما سبقها من أحداث.
ولهذا، فإن اختزال شخص كامل في لقطة واحدة أو عبارة واحدة أو موقف وقع خلال لحظة توتر يبقى، بحسب الطرح الذي قدمه لهيذب، أمرًا يحتاج إلى كثير من الحذر.
كما أشار إلى أن بعض الأشخاص قد يعيشون ظروفًا اجتماعية أو نفسية صعبة لا تكون معروفة للرأي العام، وهو ما يجعل السخرية الجماعية والتشهير بالأشخاص أمرًا قد تكون له آثار أكبر بكثير مما يتوقعه المتابعون.
«محاكمات الفايسبوك سهلة جدًا»
ومن أبرز الأفكار التي تضمنها تعليق ذاكر لهيذب انتقاده للسهولة التي تتحول بها مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه المحكمة الشعبية.
ففي العالم الرقمي، لا يحتاج الشخص إلى معرفة الملف كاملًا حتى يصدر حكمًا، ولا إلى الاستماع إلى جميع الأطراف، ولا إلى التحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.
يكفي في بعض الأحيان أن يظهر مقطع فيديو أو منشور مثير حتى تبدأ آلاف التعليقات في إعادة نشر الرواية نفسها، ومع تكرارها تصبح في نظر عدد من المتابعين حقيقة مؤكدة، حتى وإن كانت بعض تفاصيلها غير ثابتة أو ناقصة.
وهنا يكمن الفرق بين النقاش العام وبين إصدار الأحكام، إذ يمكن للجمهور أن يناقش ويعبّر عن رأيه، لكن تحديد المسؤوليات القانونية والجزائية يبقى من اختصاص الجهات القضائية والسلطات المختصة.
ويبدو أن هذه النقطة كانت من بين الرسائل الأساسية التي أراد لهيذب إيصالها، وهي ضرورة الفصل بين التفاعل العاطفي السريع وبين البحث الهادئ عن الحقيقة.
«ربي يشفي كل مريض» ودعوة إلى البعد الإنساني
وفي لهجة حملت دعوة إلى عدم تحويل القضية إلى حملة تشفٍّ أو تنكيل، أشار ذاكر لهيذب إلى ضرورة مراعاة الجانب الإنساني عند التعامل مع الأشخاص الذين يصبحون محل جدل واسع.
وقال: «وربي يشفي كل مريض»، في عبارة فهم منها عدد من المتابعين دعوة إلى الابتعاد عن السخرية والإهانة والتشفي، وعدم استغلال ظروف الآخرين أو تصرفاتهم من أجل صناعة محتوى ساخر.
ففي عصر تتحول فيه مقاطع الفيديو إلى مادة للترفيه والتعليقات الساخرة، قد ينسى البعض أن الأشخاص الذين يظهرون في هذه المقاطع يعيشون حياة حقيقية خارج الشاشة، وأن موجات التشهير والتنمر يمكن أن تترك آثارًا نفسية واجتماعية كبيرة.
كما أن إعادة نشر المحتوى آلاف المرات قد تجعل من الصعب على الشخص تجاوز الواقعة، حتى بعد انتهاء الجدل حولها، إذ يبقى الفيديو متداولًا ويظهر من جديد في كل مرة.
لهيذب يتطرق إلى الجانب القانوني للقضية
وفي الجزء الذي أثار نقاشًا أكبر، تطرق الدكتور ذاكر لهيذب إلى الجانب القانوني المرتبط بالواقعة، متحدثًا، وفق ما أورده في تدوينته، عن وجود اختلاف بين ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي وبين المسؤوليات التي يمكن أن تثبت قانونيًا.
وأشار إلى أن بعض المعطيات المتداولة، وفق طرحه، تثير تساؤلات حول الوقائع القانونية المرتبطة بتصرفات الأطراف المختلفة، مؤكدًا ضمنيًا أن تحديد المسؤوليات لا يمكن أن يتم اعتمادًا على الانطباعات التي يصنعها الجمهور عبر مواقع التواصل.
كما أشار إلى مسائل مرتبطة بما يتم تداوله حول ظروف الواقعة والتعامل مع العاملين، إضافة إلى ما أثير بشأن تصوير أشخاص أثناء وجودهم في أماكن عملهم ونشر تلك المقاطع على المنصات الرقمية.
وتبقى مثل هذه المسائل، في النهاية، مرتبطة بما يمكن إثباته من وقائع وبما تقرره الجهات المختصة، ولا يمكن اعتبار الاتهامات أو الروايات المتداولة على مواقع التواصل حقائق نهائية ما لم يتم التثبت منها.
التصوير والتشهير.. أين تنتهي حرية النشر؟
ومن بين النقاط التي أعادت هذه القضية إلى الواجهة مسألة تصوير الأشخاص خلال الخلافات ونشر المقاطع على نطاق واسع.
فأصبح الهاتف الذكي اليوم حاضرًا في كل مكان، ويمكن لأي شخص أن يصور موقفًا عابرًا ثم ينشره خلال ثوانٍ، لتتحول حادثة محدودة إلى قضية رأي عام.
لكن هذا الواقع يفتح في المقابل نقاشًا واسعًا حول حدود النشر ومسؤولية الأشخاص الذين يقومون بتصوير الآخرين، خاصة عندما يكون المحتوى مرتبطًا بمشادة أو خلاف أو موقف شخصي.
فهل يكون الهدف من التصوير توثيق واقعة؟ أم فضح شخص؟ أم الحصول على مشاهدات وتفاعل؟
كما أن السياق يلعب دورًا أساسيًا في فهم أي فيديو، لأن حذف جزء من الأحداث أو عرض لحظة محددة فقط يمكن أن يمنح المشاهد انطباعًا مختلفًا عن الحقيقة الكاملة.
ولهذا، فإن تداول المقاطع المصورة، خصوصًا عندما تتضمن أشخاصًا يمكن التعرف عليهم، يفرض قدرًا أكبر من المسؤولية والتثبت قبل المساهمة في انتشارها.
عندما تتحول الألقاب إلى أدوات للسخرية
ومن اللافت في هذه القضية أيضًا أن أطرافها أصبحوا معروفين لدى الجمهور بألقاب متداولة على مواقع التواصل، مثل «تاجر المياه» و«صاحب التبان الأزرق».
وقد تبدو هذه التسميات بالنسبة إلى البعض جزءًا من السخرية أو المزاح الإلكتروني، لكنها في الوقت نفسه تساهم في اختزال أشخاص وقضايا كاملة في أوصاف ساخرة.
ومع تكرار استخدام هذه الألقاب، تتحول القضية تدريجيًا من نقاش حول واقعة محددة إلى مادة للترفيه والتندر، وقد يضيع جوهر الخلاف وسط الكم الكبير من التعليقات الساخرة والميمات والمنشورات.
وهنا أيضًا تظهر دعوة لهيذب إلى التعامل بقدر أكبر من الهدوء والإنصاف، وعدم الانسياق وراء موجة السخرية لمجرد أن الجمهور اختار شخصًا معينًا ليكون محور «الترند».
الجدل يتجاوز الواقعة الأصلية
ومع استمرار انتشار القضية، لم يعد النقاش مقتصرًا على المشادة أو الفيديو المتداول، بل توسع ليشمل قضايا أخرى تتعلق بطريقة التعامل بين الأشخاص، والخطاب المستخدم في مواقع التواصل الاجتماعي، وحدود السخرية والتشهير.
كما أثيرت، في سياق ما يتم تداوله، مسائل مرتبطة بعبارات وتصرفات قال لهيذب إنها قد تكون محل نقاش، بما في ذلك ما أشار إليه بشأن الإساءة إلى معتقدات أو ديانات بعض المواطنين.
ومثل هذه المسائل، إذا ثبتت الوقائع المتعلقة بها، تختلف عن مجرد الخلاف الأصلي، وقد تستوجب نقاشًا أكثر جدية بعيدًا عن منطق الترند والسخرية.
لكن في جميع الحالات، يبقى من الضروري التمييز بين الوقائع المثبتة وبين الادعاءات والتعليقات المتداولة، وعدم الخلط بين ما يقوله رواد مواقع التواصل وما يمكن إثباته رسميًا.
بين الرأي العام الافتراضي والقضاء
تعيد هذه القضية إلى الواجهة واحدة من أكبر الإشكاليات التي فرضها عصر مواقع التواصل الاجتماعي: سرعة انتقال القضايا من الواقع إلى الفضاء الرقمي.
في الماضي، كانت بعض الخلافات تبقى محدودة بين الأشخاص المعنيين أو محيطهم المباشر، أما اليوم فيمكن لواقعة واحدة أن تصبح قضية رأي عام خلال ساعات.
ويبدأ المتابعون في تحليل التصرفات، وتحديد المسؤوليات، والبحث في حياة الأشخاص، ونشر الصور والمعلومات، بينما قد تكون الجهات المختصة وحدها هي القادرة على جمع المعطيات الكاملة.
ولهذا، فإن الرأي العام يمكن أن يكون مؤثرًا، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن التحقيق والتثبت والإجراءات القانونية.
وهذه الفكرة تشكل جوهر موقف ذاكر لهيذب في هذه القضية، إذ دعا إلى عدم منح مقاطع الفيديو المتداولة سلطة إصدار الأحكام النهائية على الأشخاص.
الاستماع إلى الطرفين قبل الحكم
في نهاية المطاف، يمكن تلخيص موقف الدكتور ذاكر لهيذب في رسالة بسيطة، لكنها أصبحت ضرورية أكثر من أي وقت مضى في عصر المنصات الرقمية: لا تحكم قبل أن تسمع الطرفين.
فأي قضية قد تبدو واضحة في البداية، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا عندما تظهر تفاصيل جديدة أو رواية مختلفة أو معلومات لم تكن متاحة عند انتشار الفيديو الأول.
ولا يعني الاستماع إلى الطرفين بالضرورة تبرئة أحد أو إدانة الآخر، وإنما يعني منح الجميع فرصة لعرض روايتهم قبل الوصول إلى موقف نهائي.
وبين «تاجر المياه» و«صاحب التبان الأزرق»، وبين مقاطع الفيديو والتعليقات الساخرة وموجات الدفاع والهجوم، تبدو القضية مثالًا جديدًا على الطريقة التي يمكن أن تتحول بها حادثة محدودة إلى نقاش وطني واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي وقت تتواصل فيه التفاعلات والانقسامات، تبقى الحقيقة الكاملة مرتبطة بجميع التفاصيل التي قد لا تظهر على شاشة الهاتف، بينما تبقى المسؤوليات القانونية، إن وُجدت، من اختصاص الجهات المعنية وحدها.

تعليقات
إرسال تعليق