هيكل حوكمة جديد للاستراتيجية الوطنية للصناعة 4.0 لدعم التحول الرقمي للمؤسسات الصناعية في تونس
كشفت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة عن التفاصيل العملية لهيكل حوكمة الاستراتيجية الوطنية للصناعة 4.0، الذي ستحتضنه وكالة النهوض بالصناعة والتجديد، في خطوة تهدف إلى إرساء منظومة وطنية متكاملة لمرافقة المؤسسات الصناعية في مسار التحول الرقمي، وتعزيز قدرتها على اعتماد التكنولوجيات الحديثة والرفع من تنافسيتها في الأسواق الوطنية والدولية.
ويأتي إرساء هذا الهيكل في إطار توجه يرمي إلى الانتقال من المبادرات المتفرقة في مجال الصناعة الذكية إلى منظومة أكثر تكاملاً وتنظيماً، تجمع مختلف المتدخلين العموميين والخواص ومراكز الكفاءات والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الصناعية، وتوفر للمؤسسات، ولا سيما المؤسسات الصغرى والمتوسطة، مساراً واضحاً ومتدرجاً للانتقال نحو نماذج إنتاج أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والرقمنة والابتكار.
مبادرة انطلقت منذ سنة 2018
وأكدت المديرة المركزية بوكالة النهوض بالصناعة والتجديد، آمال قرامي، خلال مداخلتها في ندوة خُصصت لإطلاق المرحلة الجديدة من المبادرة، أن العمل على الصناعة 4.0 في تونس انطلق منذ سنة 2018، بالتعاون مع عدد من الشركاء الاستراتيجيين الماليين والتقنيين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي والتعاون الألماني.
وأوضحت أن هذه المرحلة من المبادرة تأتي لتعزيز ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية، وتطوير آليات المرافقة بما يجعل التحول الرقمي أكثر قرباً من احتياجات المؤسسات الصناعية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصناعي عالمياً، والتي جعلت من الرقمنة والابتكار واعتماد التكنولوجيا الحديثة عناصر أساسية في تطوير الإنتاج وتحسين الجودة وترشيد التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية.
وفي هذا الإطار، تم إحداث خمسة مراكز كفاءات متعددة القطاعات، تضم خبراء ومختصين تم تكوينهم في مجالات مرتبطة بالصناعة 4.0، بهدف توفير ما وصفته قرامي بـ"مرافقة القرب" للمؤسسات الصناعية بمختلف الجهات.
وتشكل هذه المراكز أحد المكونات الأساسية للمنظومة الجديدة، باعتبارها حلقة وصل مباشرة بين المؤسسات والخبرات الفنية والتكنولوجية، بما يسمح بتشخيص حاجيات المؤسسة وتحديد مجالات التطوير ومرافقتها في مراحل اختبار الحلول واعتمادها.
هيكل وطني لتوحيد جهود الفاعلين
ويتموقع هيكل الحوكمة الجديد كجهاز وطني جامع لمختلف المتدخلين في مجال التحول الرقمي الصناعي، من خلال توحيد الجهود وتنسيق المبادرات حول رؤية مشتركة تهدف إلى تسريع اعتماد الصناعة 4.0 في تونس.
وتتمثل إحدى المهام الرئيسية لهذا الهيكل في خلق مزيد من التآزر بين مكونات المنظومة الوطنية، سواء تعلق الأمر بالهياكل العمومية أو المؤسسات الخاصة أو مراكز الكفاءات أو الجامعات ومراكز البحث أو الشركاء الفنيين والماليين.
كما يهدف الهيكل إلى تجميع الكفاءات والخبرات المتوفرة في هذا المجال، وتيسير تبادل المعارف والتجارب، إلى جانب التعريف بقصص النجاح التي تحققها المؤسسات التونسية في مجال التحول الرقمي الصناعي والترويج لها وطنياً ودولياً.
وتندرج هذه المقاربة ضمن تصور يقوم على أن التحول نحو الصناعة 4.0 لا يقتصر على اقتناء تجهيزات أو برمجيات حديثة، وإنما يمثل مساراً متكاملاً يستوجب تشخيص وضع المؤسسة، وتحديد أولوياتها، وتجريب الحلول الملائمة، ثم الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي داخل المصنع، مع توفير المرافقة الفنية والمؤسساتية اللازمة.
مسار متكامل يبدأ بتقييم النضج الرقمي
ويعتمد النموذج الجديد على مقاربة تدريجية ترافق المؤسسة في مختلف مراحل تحولها الرقمي، بداية من تقييم مستوى نضجها الرقمي، مروراً بتجريب الحلول التكنولوجية، وصولاً إلى تنفيذها فعلياً داخل وحدات الإنتاج.
وفي هذا السياق، سيتم الاعتماد على منصة وطنية موحدة لتقييم مستوى النضج الرقمي للمؤسسات، بما يوفر أداة مشتركة لتحديد وضعية المؤسسة واحتياجاتها ونقاط القوة والجوانب التي تتطلب التطوير.
ومن شأن هذه المرحلة أن تساعد على توجيه المؤسسة نحو الحلول الأكثر ملاءمة لطبيعة نشاطها وإمكاناتها وأهدافها، عوض اعتماد مقاربات عامة لا تراعي خصوصيات كل مؤسسة أو قطاع.
بعد مرحلة التشخيص والتقييم، ينتقل المسار إلى تجربة الحلول التكنولوجية من خلال مشاريع نموذجية، بما يتيح للمؤسسة اختبار مدى ملاءمة التكنولوجيا المقترحة لاحتياجاتها قبل تعميمها.
وتشكل هذه المرحلة محطة مهمة لتقليص المخاطر المرتبطة بالاستثمار في التكنولوجيا، وتمكين المؤسسات من التعرف عملياً على النتائج الممكن تحقيقها قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ على نطاق أوسع.
أما المرحلة الأخيرة فتتعلق بالمرافقة العملية للمؤسسة خلال تنفيذ الحلول داخل المصنع، بما يضمن عدم توقف عملية التحول عند مستوى التشخيص أو التجريب، بل ترجمتها إلى مشاريع ملموسة قادرة على تحسين الأداء والإنتاجية والجودة.
ثلاث مجموعات رئيسية لتسيير المنظومة
ويرتكز النموذج التشغيلي لهيكل الحوكمة الجديد على ثلاث مجموعات كبرى من الأنشطة، تم تصميمها لتغطية مختلف الجوانب الاستراتيجية والتشغيلية والاتصالية المرتبطة بالصناعة 4.0.
وتتعلق المجموعة الأولى بـالاستراتيجية والقيادة، حيث تضطلع بتحديد التوجهات الوطنية في مجال الصناعة 4.0، والعمل على ضمان انسجام مختلف المبادرات والبرامج مع الأولويات الوطنية.
كما تشمل هذه الوظيفة إدارة العلاقات المؤسساتية وبناء الشراكات الاستراتيجية مع مختلف المتدخلين، إلى جانب البحث عن مصادر التمويل الضرورية لتنفيذ الأنشطة والمشاريع المرتبطة بالتحول الرقمي الصناعي.
أما المجموعة الثانية فتتعلق بالجانب العملياتي والتنفيذي، وتشمل إدارة ملفات المؤسسات ومتابعتها، وتنشيط المنظومة الوطنية عبر التنسيق بين مختلف مكوناتها، ومتابعة عمل مراكز الكفاءات والأنشطة الميدانية الموجهة لمرافقة المؤسسات.
كما تشمل هذه الوظيفة تعزيز التنسيق مع الجامعات ومراكز البحث، بما يساهم في ربط حاجيات القطاع الصناعي بالخبرات العلمية والتكنولوجية المتوفرة، فضلاً عن إعداد الدراسات الوطنية وتنظيم الندوات والتظاهرات والأنشطة ذات الصلة بالصناعة 4.0.
وتتولى المجموعة الثالثة مهمة الاتصال والترويج، من خلال تنفيذ الحملات التواصلية والتعريف بمفهوم الصناعة 4.0 ومزايا التحول الرقمي، وتشجيع المؤسسات الصناعية على الانخراط في هذا المسار.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى نشر ثقافة التحول الرقمي داخل النسيج الصناعي، والتعريف بالإمكانيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة للمؤسسات، سواء على مستوى تحسين الإنتاج أو الجودة أو إدارة الموارد أو تطوير المنتجات والخدمات.
نحو منظومة أكثر تكاملاً لدعم المؤسسة الصناعية
وأكدت آمال قرامي أن هيكل الحوكمة الجديد يهدف بالأساس إلى ضمان الانسجام بين مختلف مكونات المنظومة، وتعزيز انخراط جميع الفاعلين التقنيين والمؤسساتيين في مسار موحد لخدمة المؤسسة الصناعية.
ويُنتظر أن يساهم هذا الهيكل في تنظيم العلاقة بين مختلف المتدخلين، وتسهيل وصول المؤسسات إلى الخبرة والمعلومة والتمويل والحلول التكنولوجية، فضلاً عن دعم المشاريع التجريبية وتحويل التجارب الناجحة إلى نماذج قابلة للتعميم.
كما يمثل إرساء هذه المنظومة خطوة نحو بناء بيئة أكثر ملاءمة للتجديد الصناعي، من خلال ربط المؤسسات بمراكز الكفاءات والجامعات ومراكز البحث والشركاء التكنولوجيين، وفتح المجال أمام تطوير حلول مبتكرة تستجيب للحاجيات الفعلية للقطاع الصناعي.
ولا تقتصر أهمية الصناعة 4.0 على إدخال التكنولوجيا إلى خطوط الإنتاج، بل تمتد إلى إعادة التفكير في طرق العمل والإدارة واتخاذ القرار، والاستفادة من البيانات والأنظمة الرقمية لتحسين أداء المؤسسة وتعزيز مرونتها وقدرتها على الاستجابة لتغيرات السوق.
الصناعة 4.0 كرافعة للتجديد والقدرة التنافسية
وتأتي هذه المبادرة في سياق دولي وإقليمي يشهد تحولاً متسارعاً نحو نماذج صناعية تعتمد بشكل متزايد على الرقمنة والأتمتة والبيانات والتكنولوجيات المتقدمة.
وفي هذا الإطار، يمثل دعم المؤسسات التونسية في مسار التحول الرقمي أحد العناصر التي يمكن أن تساهم في تعزيز قدرتها على المنافسة، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأسواق الخارجية وسلاسل القيمة الدولية.
ومن خلال اعتماد مسار تدريجي يبدأ بالتقييم والتشخيص، ثم التجريب، وصولاً إلى التنفيذ، يسعى هيكل الحوكمة الجديد إلى جعل الصناعة 4.0 مساراً عملياً قابلاً للتنفيذ بالنسبة للمؤسسات، وليس مجرد توجه استراتيجي أو مفهوم تكنولوجي.
كما أن إشراك مراكز الكفاءات والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص في هذه المنظومة من شأنه أن يعزز فرص تطوير حلول محلية تتلاءم مع خصوصيات النسيج الصناعي التونسي، ويساعد على بناء جسور أكثر فاعلية بين البحث العلمي واحتياجات المؤسسات.
وبذلك، تراهن وزارة الصناعة والمناجم والطاقة ووكالة النهوض بالصناعة والتجديد على هيكل الحوكمة الجديد ليكون بمثابة منصة وطنية لتنسيق جهود التحول الرقمي الصناعي، وتجميع الخبرات والموارد، ومرافقة المؤسسات في مختلف مراحل انتقالها نحو الصناعة 4.0، بما يدعم التجديد الصناعي ويعزز اندماج المؤسسات التونسية في التحولات التكنولوجية المتسارعة.

تعليقات
إرسال تعليق