الكشف عن السبب المحتمل لحادثة التسمم الغذائي بالمكناسي.. نتائج التحاليل تزيح الستار عن مادة سامة داخل الوجبة
شهدت منطقة المكناسي من ولاية سيدي بوزيد خلال الأيام الأخيرة حادثة تسمم غذائي خطيرة أثارت حالة من القلق في الأوساط المحلية والوطنية، خاصة بعد تسجيل عدد من الإصابات الخطيرة ووفاة بعض المتضررين، ما دفع الجهات الصحية المختصة إلى التحرك بشكل عاجل لفتح تحقيق شامل والكشف عن الأسباب الحقيقية وراء هذه المأساة.
وفي أحدث تطور في الملف، أعلنت الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية عن النتائج الأولية للتحقيقات المخبرية التي أجريت على العينات الغذائية المرتبطة بالحادثة، حيث كشفت التحاليل عن وجود مادة سامة تعرف باسم "الأنابازين" داخل بعض مكونات الوجبة التي تم استهلاكها.
نتائج التحاليل تكشف وجود مادة سامة
وأوضحت الهيئة أن الفرق الفنية قامت برفع عدد من العينات الغذائية وإخضاعها لتحاليل دقيقة داخل المخابر المختصة، حيث أظهرت النتائج وجود تركيز واضح لمادة الأنابازين السامة داخل عينة من طبق العصبان الذي تم تناوله خلال الوجبة.
كما بينت التحاليل وجود آثار من المادة نفسها داخل المرق والكسكسي، ولكن بتركيزات أقل، وهو ما يرجح انتقال المادة السامة إلى بقية مكونات الطعام أثناء عملية التحضير والطهي.
وتعتبر هذه النتائج من أبرز المعطيات العلمية التي تم التوصل إليها منذ انطلاق التحقيق، حيث سمحت بتحديد المصدر المحتمل للتسمم وتوجيه الأبحاث نحو فرضية معينة أصبحت الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن.
ما هي مادة الأنابازين؟
الأنابازين هي مادة قلويدية سامة توجد بشكل طبيعي في بعض النباتات البرية، وتعرف بتأثيراتها الخطيرة على جسم الإنسان عند استهلاكها بكميات معينة.
ويؤكد المختصون أن هذه المادة تؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي والجهاز التنفسي وكذلك القلب، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور أعراض صحية خطيرة تختلف حدتها بحسب الكمية المستهلكة وسرعة التدخل الطبي.
ومن بين أبرز الأعراض المرتبطة بالتسمم بهذه المادة:
الغثيان والتقيؤ الشديد.
آلام واضطرابات حادة على مستوى الجهاز الهضمي.
الدوخة وفقدان التوازن.
ضعف عام وإرهاق شديد.
اضطرابات عصبية متفاوتة الخطورة.
صعوبات في التنفس.
اضطراب نبضات القلب.
فقدان الوعي في الحالات المتقدمة.
مضاعفات قد تصل إلى الوفاة في الحالات الخطيرة.
ويشدد الأطباء على أن سرعة التشخيص والتدخل العلاجي تبقى عاملاً حاسمًا في الحد من مضاعفات هذا النوع من التسممات.
نبتة برية وراء الحادثة؟
وبحسب المعطيات الأولية التي قدمتها الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، فإن المصدر المرجح لهذه المادة السامة هو نبتة برية تعرف علميًا باسم "Nicotiana glauca"، وهي نبتة تنمو في عدة مناطق ويمكن أن تختلط ببعض النباتات الصالحة للاستهلاك.
وتكمن خطورة هذه النبتة في أن أوراقها قد تبدو مشابهة لبعض الخضر الورقية المستعملة في المطبخ التونسي، مثل السلق أو السبانخ، ما قد يؤدي إلى وقوع أخطاء غير مقصودة أثناء جمع النباتات أو تحضير الطعام، خاصة عندما يتم الاعتماد على نباتات برية مجهولة المصدر.
ويرى خبراء السلامة الغذائية أن التشابه الشكلي بين بعض النباتات السامة والنباتات الصالحة للأكل يمثل أحد أبرز المخاطر التي تستوجب مزيدًا من التوعية والتحسيس، خصوصًا في المناطق التي ما تزال تعتمد على جمع النباتات من الطبيعة واستعمالها في إعداد الأطباق التقليدية.
تحقيقات متواصلة لكشف جميع الملابسات
ورغم أهمية النتائج التي تم الإعلان عنها، أكدت الجهات المختصة أن التحقيقات ما تزال متواصلة لاستكمال مختلف الاختبارات والتحاليل اللازمة والتثبت من جميع المعطيات المرتبطة بالحادثة.
كما تعمل المصالح الصحية والرقابية على تحديد كيفية وصول النبتة السامة إلى مكونات الوجبة، وما إذا كانت العملية ناتجة عن خطأ غير مقصود أثناء الجمع أو التحضير.
ومن المنتظر أن يتم الإعلان عن نتائج إضافية خلال الفترة القادمة فور استكمال بقية الاختبارات الفنية والعلمية.
دعوات إلى مزيد من الحذر والتوعية
وأعادت حادثة المكناسي إلى الواجهة أهمية التثبت من مصادر المواد الغذائية المستعملة في إعداد الأطعمة، خاصة النباتات والخضر التي يتم جمعها من الطبيعة أو اقتناؤها من مصادر غير مراقبة.
كما جدد مختصون دعوتهم إلى تعزيز حملات التوعية حول مخاطر النباتات البرية السامة، وضرورة الاعتماد على منتجات معروفة المصدر وخاضعة للرقابة الصحية، تجنبًا لتكرار مثل هذه الحوادث المؤلمة.
وتبقى حادثة المكناسي من أبرز حوادث التسمم الغذائي التي عرفتها تونس خلال الفترة الأخيرة، وهي تذكير بأهمية اليقظة والالتزام بقواعد السلامة الغذائية لحماية صحة المواطنين والحد من المخاطر المرتبطة بالاستهلاك الغذائي.

تعليقات
إرسال تعليق