القائمة الرئيسية

الصفحات

عاجل / قيس سعيد يضرب من جديد قرارات عاجلة في حق هؤولاء


قضية فساد تهز وكالة التبغ والوقيد في تونس.. السجن 18 سنة للمدير العام السابق وأحكام ثقيلة بحق 4 موظفين

أصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكاماً قضائية ثقيلة في واحدة من قضايا الفساد المالي والإداري المرتبطة بالوكالة الوطنية للتبغ والوقيد، قضت بسجن مديرها العام السابق لمدة 18 سنة، إلى جانب تسليط عقوبات سجنية على أربعة موظفين سابقين تراوحت بين عامين وثمانية أعوام، مع إلزام المتهمين بإرجاع مبالغ مالية هامة لفائدة الوكالة وحرمانهم من تولي الوظائف العمومية.

وتأتي هذه الأحكام في إطار قضية أثارت اهتماماً واسعاً بالنظر إلى طبيعة التجاوزات المنسوبة إلى المتهمين، والتي تتعلق بالاستيلاء على كميات هامة من السجائر والتصرف فيها خارج مسالك التوزيع القانونية، بما تسبب في خسائر مالية تجاوزت 170 ألف دينار، وفق المعطيات المتعلقة بالقضية.

أحكام قضائية ثقيلة في حق المدير العام السابق

في أبرز تفاصيل الملف، قضت الدائرة الجنائية غيابياً بالسجن لمدة 18 سنة في حق الرئيس المدير العام السابق للوكالة الوطنية للتبغ والوقيد، وذلك على خلفية التهم المنسوبة إليه والمتعلقة باستغلال صفته الوظيفية لتحقيق منافع غير مشروعة والإضرار بالإدارة التي كان يشرف عليها.

ولم تقتصر العقوبة على الجانب السجني، بل شملت أيضاً إلزامه بإرجاع مبلغ مالي يناهز 90 ألف دينار لفائدة الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد، إلى جانب حرمانه من ممارسة الوظائف العمومية، في إطار العقوبات المترتبة عن الأفعال موضوع القضية.

وتعكس هذه العقوبة حجم التبعات القضائية والمالية التي انتهى إليها الملف، خاصة أن التجاوزات المنسوبة إلى المتهم تتعلق بمرفق عمومي ذي نشاط اقتصادي ومالي مهم، وبقطاع يخضع لرقابة الدولة بالنظر إلى خصوصية توزيع منتجات التبغ والوقيد.

السجن لأربعة موظفين سابقين وإرجاع 81 ألف دينار

وفي السياق ذاته، أصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن في حق أربعة موظفين سابقين بالوكالة، تراوحت مددها بين عامين وثمانية أعوام، وذلك على خلفية مشاركتهم في الأفعال موضوع التتبعات القضائية.

كما قضت المحكمة بإلزام المعنيين بالأمر بالتضامن في إرجاع مبلغ مالي قدره 81 ألف دينار، فضلاً عن حرمانهم من تولي الوظائف العمومية.

وفي المقابل، انتهت المحكمة إلى التصريح بعدم سماع الدعوى في حق خمسة متهمين آخرين، وهو ما يعني أن مآلات التتبعات القضائية لم تكن موحدة بالنسبة إلى جميع الأشخاص الذين شملهم الملف.

وتبرز هذه الأحكام تعدد مستويات المسؤولية التي تناولتها القضية، بين المسؤولية المنسوبة إلى المدير العام السابق والمسؤولية المرتبطة بعدد من الموظفين الذين وردت أسماؤهم ضمن الأبحاث والتتبعات.

استيلاء على كميات من السجائر وخسائر تجاوزت 170 ألف دينار

وتعود جذور القضية إلى شبهات تجاوزات مالية وإدارية داخل الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد، تمثلت أساساً في الاستيلاء على كميات هامة من السجائر والتصرف فيها وبيعها خارج قنوات التوزيع القانونية المعتمدة.

ووفق المعطيات الواردة بشأن الملف، فقد تسببت هذه العمليات في تكبيد الوكالة خسائر مالية فادحة تجاوزت 170 ألف دينار، نتيجة إخراج كميات من المنتجات من مسالكها الرسمية والتصرف فيها بطرق غير قانونية.

وتكتسي هذه التجاوزات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة نشاط الوكالة، باعتبارها مؤسسة عمومية تضطلع بدور أساسي في قطاع التبغ والوقيد، وتخضع عملياتها التجارية والمالية لإجراءات تنظيمية ورقابية.

كما تطرح القضية تساؤلات بشأن آليات مراقبة المخزون والتصرف في المنتجات ومتابعة عمليات التوزيع، ومدى احترام الإجراءات الإدارية والمالية التي يفترض أن تضمن حماية ممتلكات المؤسسة العمومية من أي تجاوز أو استغلال غير مشروع.

الفصول القانونية التي استندت إليها التهم

وبحسب المعطيات المتعلقة بالقضية، وُجهت إلى المدير العام السابق تهم تتعلق باستغلال موظف عمومي لصفته لإلحاق ضرر بالإدارة واستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره، فضلاً عن تهمة استيلاء موظف عمومي على منقولات.

وتندرج هذه الأفعال ضمن الإطار القانوني المنظم للجرائم المرتبطة بالفساد واستغلال الصفة الوظيفية، استناداً إلى الفصول 96 و32 و99 من المجلة الجزائية، وفق ما ورد في تفاصيل الملف.

وتتعلق هذه التهم، في جوهرها، باستغلال النفوذ والصلاحيات المرتبطة بالوظيفة العمومية لتحقيق منافع غير مستحقة، أو تسهيل حصول الغير عليها، على حساب مصالح الإدارة والمال العام.

وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنظر إلى أن المسؤوليات الإدارية العليا لا تمنح أصحابها صلاحيات التصرف المطلق في موارد المؤسسات العمومية، بل تضعهم أمام واجب المحافظة على الممتلكات وضمان التصرف فيها وفق القوانين والإجراءات الجاري بها العمل.

من رئاسة ديوان وزير الصناعة إلى إدارة مؤسسات عمومية

ومن بين الجوانب التي لفتت الانتباه في القضية المسار المهني للمدير العام السابق، الذي سبق له أن شغل عدداً من المناصب الإدارية الحساسة داخل هياكل الدولة.

فقد تولى المعني بالأمر سنة 2018 خطة رئيس ديوان وزير الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، قبل أن يشغل لاحقاً خطة متفقد مركزي للمصالح المالية، وهي مناصب ترتبط بمهام إدارية ورقابية مهمة.

كما تولى مسؤوليات على مستوى الوكالة الوطنية للكحول، قبل أن تنتهي مهامه رسمياً بموجب أمر نُشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية سنة 2023.

ويعيد هذا المسار المهني تسليط الضوء على أهمية المسؤولية الملقاة على عاتق الإطارات العليا في المؤسسات والمنشآت العمومية، خصوصاً في المواقع التي تتصل مباشرة بالتصرف المالي والإداري ومراقبة الموارد والممتلكات.

قضية تعيد ملف حماية المال العام إلى الواجهة

وتعيد الأحكام الصادرة في قضية الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد ملف حماية المال العام ومكافحة الفساد داخل المؤسسات العمومية إلى واجهة الاهتمام، خاصة في ظل الأضرار المالية التي يمكن أن تنجم عن استغلال الصلاحيات الإدارية أو الإخلال بإجراءات التصرف والرقابة.

فالقضية لا تتعلق بمجرد تجاوزات إدارية معزولة، بل بملف يتضمن، وفق الوقائع المعروضة، شبهات الاستيلاء على منتجات عمومية والتصرف فيها خارج الأطر القانونية، وهو ما انعكس في خسائر مالية تجاوزت 170 ألف دينار.

كما أن تعدد المتهمين واختلاف الأحكام الصادرة في حقهم يعكسان تعدد الأدوار والمسؤوليات التي تناولتها القضية، وفق ما انتهت إليه المحكمة.

وفي انتظار ما قد تشهده القضية من تطورات قضائية لاحقة، تبقى هذه الأحكام محطة بارزة في مسار التتبع القضائي لملفات الفساد المالي والإداري، ورسالة واضحة بشأن خطورة الاعتداء على ممتلكات المؤسسات العمومية واستغلال المواقع الوظيفية لتحقيق مصالح غير مشروعة.

وتؤكد هذه القضية مجدداً أن حماية المال العام لا تقتصر على سن القوانين والعقوبات، بل تتطلب أيضاً تعزيز الرقابة الداخلية، وإحكام متابعة المخزون والتصرف في الموارد، وضمان خضوع جميع المسؤولين، مهما كانت مواقعهم الإدارية، للمساءلة وفق القانون.

تعليقات