تحول رقمي شامل في تونس.. أكثر من 40 خدمة إدارية عبر تطبيقة «خدمات» واستراتيجية جديدة للذكاء الاصطناعي
أشرفت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، السبت، بقصر الحكومة بالقصبة، على أشغال مجلس وزاري مضيّق خُصّص لمتابعة مدى تقدّم إنجاز عدد من مشاريع التحول الرقمي في تونس، وذلك في إطار التوجه نحو تطوير الإدارة العمومية وتسهيل الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز الاعتماد على الحلول الرقمية الحديثة.
وشكّل الاجتماع مناسبة لاستعراض عدد من المشاريع والمبادرات التي تعمل الحكومة على تنفيذها في مجال الرقمنة، إلى جانب بحث سبل تسريع نسق الإنجاز وضمان نجاعة الحلول الرقمية واستدامتها وأمنها، بما يتماشى مع التوجهات الوطنية الرامية إلى بناء إدارة أكثر سرعة وفاعلية وقدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
تطبيقة «خدمات».. أكثر من 40 خدمة إدارية عبر الهاتف
ومن أبرز ما تم الإعلان عنه خلال المجلس الوزاري، قرب إتاحة تطبيقة الهاتف الجوال «خدمات» للعموم، وهي منصة رقمية تهدف إلى تسهيل نفاذ المواطنين إلى مجموعة واسعة من الخدمات الإدارية دون الحاجة إلى التنقل المتكرر إلى الإدارات والهياكل العمومية.
ووفق المعطيات التي تم تقديمها خلال الاجتماع، ستتيح التطبيقة إمكانية الوصول إلى أكثر من 40 خدمة إدارية باستعمال الهوية الرقمية، بما يفتح المجال أمام المواطنين لإنجاز عدد من الإجراءات عن بعد وبطريقة أكثر سهولة وسرعة.
كما ستوفر المنصة آليات للخلاص الإلكتروني عبر مجموعة من الوسائل المتاحة، من بينها البطاقات البنكية والبريدية والحسابات الافتراضية e-wallet، بما يعزز مسار الانتقال نحو الإدارة الرقمية ويقلص الاعتماد على المعاملات الورقية والإجراءات التقليدية.
ومن المنتظر أن تمثل هذه الخطوة إضافة مهمة لمسار رقمنة الخدمات العمومية، خاصة مع تزايد الحاجة إلى توفير خدمات إدارية متاحة عن بعد، وتقليص آجال الانتظار، وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين.
التحول الرقمي في صلب الرؤية الوطنية للتنمية
وأكدت رئيسة الحكومة، في مستهل أعمال المجلس، أن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار تقني، وإنما أصبح ركيزة أساسية في الرؤية الوطنية للتنمية ورافعة استراتيجية للإصلاح الإداري والاقتصادي.
وشددت على أهمية توظيف التكنولوجيا الحديثة في تطوير أداء المؤسسات العمومية وتحسين جودة الخدمات، إلى جانب دور الرقمنة في دعم الشفافية والنجاعة والمساهمة في مقاومة الفساد، فضلاً عن تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما اعتبرت أن التحول الرقمي يمكن أن يساهم في تحقيق قدر أكبر من العدالة الرقمية وتقليص الفوارق بين الجهات، من خلال تمكين مختلف الفئات والمناطق من النفاذ إلى الخدمات الرقمية بنفس القدر من السهولة والفاعلية.
وأكدت أن متابعة المشاريع الرقمية لا يجب أن تقتصر على قياس نسب الإنجاز، بل ينبغي أن تستند إلى مؤشرات دقيقة تقيس الأداء والأثر الفعلي لهذه المشاريع على المواطن والمؤسسات، بما يضمن حسن التصرف في الموارد العمومية وتسريع الانتقال نحو إدارة ذكية وعصرية.
تونس تستعد لاستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي
وفي السياق ذاته، تم خلال المجلس الوزاري عرض محاور الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة 2026-2030، التي قدمها وزير تكنولوجيات الاتصال سفيان الهميسي.
وترتكز هذه الاستراتيجية على مواكبة التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي والاستفادة من الفرص التي تتيحها الثورة التكنولوجية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة توظيف هذه التقنيات في إطار يحترم الإنسان ويحمي خصوصيته وحقوقه الدستورية.
كما تهدف الاستراتيجية إلى تعزيز السيادة الرقمية لتونس ودعم قدراتها في المجال التكنولوجي، بالتوازي مع العمل على حماية الفضاء السيبرني من المخاطر والتهديدات المتزايدة التي ترافق التطور السريع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
تونس تراهن على كفاءاتها في مجال التكنولوجيا
وأشارت رئاسة الحكومة إلى أن تونس تمتلك رصيدًا مهمًا من الكفاءات الهندسية والأكاديمية في المجال التكنولوجي، لافتة إلى أن البلاد تحتل، وفق المعطيات المقدمة في البيان، المرتبة 29 عالميًا في مؤشر المنشورات العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتراهن تونس، في هذا الإطار، على قدراتها البشرية والعلمية من أجل تطوير منظومة الابتكار ودعم المؤسسات الناشئة واستقطاب الاستثمارات في القطاعات التكنولوجية الحديثة.
كما تم التذكير بأهمية قانون المؤسسات الناشئة Startup Act باعتباره إطارًا قانونيًا داعمًا للابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب الموقع الجغرافي لتونس الذي يمنحها، وفق ما ورد في البلاغ، فرصة لتكون منصة إقليمية لتصدير الحلول والخدمات الرقمية نحو أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.
حوكمة المشاريع وتسريع الإنجاز
وفي ختام أعمال المجلس الوزاري، شددت رئيسة الحكومة على ضرورة إحكام حوكمة المشاريع الرقمية وتكثيف آليات المتابعة والتقييم، مع ربط الإنجاز بنتائج ملموسة وقابلة للقياس.
كما أكدت أهمية تعزيز التنسيق بين مختلف الهياكل العمومية، وتجاوز الصعوبات التي قد تعطل تنفيذ المشاريع، وتسريع نسق إنجاز المشاريع المهيكلة، وخاصة تلك التي يكون لها تأثير مباشر على حياة المواطن اليومية.
وشددت كذلك على ضرورة ضمان استدامة الحلول الرقمية وتكاملها وأمنها، حتى لا تكون عملية الرقمنة مجرد نقل للإجراءات التقليدية إلى منصات إلكترونية، وإنما تحولًا حقيقيًا في طريقة عمل الإدارة وعلاقتها بالمواطن.
من رقمنة الإجراءات إلى إعادة هندسة الإدارة
وتؤكد الحكومة أن التحول الرقمي المنتظر يتجاوز مجرد وضع الخدمات الإدارية على الإنترنت، ليشمل إعادة النظر في المسارات والإجراءات الإدارية نفسها، بهدف جعلها أكثر بساطة ووضوحًا ونجاعة.
وفي هذا السياق، اعتبرت رئيسة الحكومة أن التحول الرقمي يمثل مسارًا وطنيًا استراتيجيًا، يقوم على إعادة هندسة المسارات الإدارية وتطوير مقومات الإدارة العصرية، بما يدعم الاقتصاد الرقمي التنافسي ويساهم في تعزيز العدالة الاجتماعية.
ومع اقتراب إطلاق تطبيقة «خدمات» للعموم، تتجه تونس إلى مرحلة جديدة في مجال الخدمات الرقمية، حيث سيكون بإمكان المواطنين الوصول إلى عشرات الخدمات الإدارية عبر الهاتف الجوال، باستعمال الهوية الرقمية ووسائل الدفع الإلكتروني.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع تعمل الدولة على ترسيخه، يقوم على توسيع استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتطوير الإدارة العمومية، وتحسين جودة الخدمات، مع الحفاظ على أمن المعطيات وحماية الخصوصية والسيادة الرقمية.
ويبقى التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بمدى سرعة تنفيذ المشاريع المعلنة ونجاعتها على أرض الواقع، وقدرتها على إحداث تغيير ملموس في علاقة المواطن بالإدارة، وتقليص آجال الانتظار والإجراءات، وتوفير خدمات عمومية أكثر سرعة وسهولة وشفافية.

تعليقات
إرسال تعليق