قراءة تحليلية في تصريحات الرئيس الجزائري تبون وردود الفعل الإقليمية والداخلية
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون موجة واسعة من النقاشات والتحليلات السياسية في المشهد التونسي، مسلطةً الضوء على طبيعة التحالفات الاستراتيجية وتقاطعات المصالح الإقليمية. وفي هذا السياق، جاء تعليق الإعلامي سمير الوافي ليضع الإصبع على زخم ردود الفعل، مفككاً مواقف الأطراف الأكثر تضرراً أو توجسماً من هذا التقارب، وتحديداً التيارات ذات الخلفيات الإيديولوجية والدوائر المرتبطة بمصالح أجنبية تقليدية.
أولاً: تيار الإسلام السياسي (الخوانجية) وحسابات البقاء والمصالح
يمثل التقارب التونسي-الجزائري الاستراتيجي عائقاً كبيراً أمام أجندات هذه الجماعات لعدة أسباب جوهرية:
* تقويض شبكات النفوذ والتمويل: يشكل الاستقرار الأمني ومحاربة الإرهاب ركيزة أساسية في التنسيق المشترك بين تونس والجزائر، مما يضيق الخناق على أي شبكات تمويل أو إمداد سعت تاريخياً لاستغلال الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية.
* إحباط مشاريع الإسقاط السياسي: ترى هذه التيارات في صلابة الدولة الوطنية وتكاملها الإقليمي تهديداً حقيقياً لمساعيها المستمرة لإعادة إنتاج أزمتها والعودة إلى المشهد السياسي.
* ازدواجية الخطاب حول السيادة: يلاحظ المراقبون تناقضاً صارخاً في مواقف هذه القيادات؛ فهي ترفع شعارات "الدفاع عن السيادة الوطنية" رفضاً لأي تقارب عربي-عربي يخدم الدولة، بينما تغض الطرف تماماً بل وتبرر وتستجدي الدعم عندما يتعلق الأمر بجهات إقليمية ودولية أخرى خدمت أجنداتها الحزبية والجمعياتية طيلة سنوات حكمها السابقة، وهو ما يفقد خطابها الحالي أي مصداقية لدى الشارع التونسي.
ثانياً: اللوبي الفرنسي ودوائر التأثير الفرنكفونية
على الصعيد الآخر، يبرز اللوبي الفرنكفوني داخل النخب السياسية، والإعلامية، والاقتصادية في تونس كأحد أكثر الأطراف تضرراً من تعزيز العلاقات الثنائية مع الجزائر، وذلك لاعتبارات بنيوية وجيوسياسية:
* العداء التاريخي والمنافسة النفوذية: تنظر الدوائر الفرنسية التقليدية إلى شمال إفريقيا كمنطقة نفوذ تاريخية، وتتحسس بشدة من أي تكتل إقليمي قوي يقلص حصتها من التأثير الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي.
* شراكة الضرورة والاستراتيجية الجغرافية: تربط تونس والجزائر حدود برية شاسعة ومصير أمني واقتصادي مشترك. إن أي تقارب جاد يعزز من مناعة الدولة التونسية ويمنحها عمقاً إستراتيجياً يقيها من التبعية المنفردة، وهو ما يقوض مصالح الأطراف التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمراكز القرار في العواصم الغربية.
* سقوط أوهام الاستفراد بالقرار: تدرك النخب المرتبطة بالخارج أن عالم اليوم لا مكان فيه للدول المعزولة، وأن الصمود في وجه التحديات الكبرى والأزمات الاقتصادية العالمية يتطلب تكتلات إقليمية قوية مبنية على تقاسم المصالح والهواجس الأمنية، وهو ما تتعارض مع رؤيتها الساعية لإبقاء تونس رهينة للمحاور الخارجية الضيقة.
خاتمة
يؤكد المشهد الراهن أن أي خطوة جادة نحو بناء شراكات استراتيجية قوية ومتينة بين تونس ومحيطها الإقليمي المباشر، ولا سيما الجزائر، ستظل تواجه حملات تشكيك ومقاومة شرسة من شبكات المصالح الداخلية والخارجية. غير أن وعي الرأي العام التونسي بطبيعة تلك الأجندات يجعل محاولات التشويش تفقد تأثيرها تدريجياً لصالح خيار التكامل والسيادة الوط
نية الحقيقية.

تعليقات
إرسال تعليق