السيارات الكهربائية في تونس تدخل مرحلة جديدة.. امتيازات جبائية وتراجع كبير في الأسعار وتسارع في الإقبال
تشهد سوق السيارات الكهربائية في تونس خلال الفترة الأخيرة تطورًا لافتًا وتسارعًا في نسق النمو، في ظل الإجراءات الجبائية والتشريعية التي أقرتها الدولة بهدف تشجيع استعمال السيارات النظيفة والحد من استهلاك المحروقات، إلى جانب توسع قائمة السيارات الكهربائية المعروضة في السوق وتنوع العلامات والموديلات المتوفرة أمام المستهلكين.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع العمل على وضع إطار قانوني أكثر وضوحًا لتنظيم نشاط شحن السيارات الكهربائية، بما من شأنه أن يدعم انتشار هذه السيارات وتطوير البنية التحتية الضرورية لمواكبة الارتفاع التدريجي في عددها على الطرقات التونسية.
امتيازات جبائية مهمة للسيارات الكهربائية
وأوضح مدير إدارة النجاعة الطاقية في قطاع النقل بالوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، عبد الحميد القنوني، أن الإجراءات التشريعية والجبائية المتعلقة بالسيارات الكهربائية والهجينة شهدت تطورًا متواصلًا منذ سنة 2016، قبل أن تتعزز بشكل أكبر خلال السنوات الأخيرة، وخاصة ضمن قوانين المالية.
ومن أبرز الإجراءات المعتمدة حاليًا، تمتع السيارات الكهربائية بإعفاء كامل بنسبة 100 بالمائة من المعاليم الديوانية، بعد أن تم تخفيض نسبة هذه المعاليم من 30 بالمائة إلى صفر بالمائة، وهو إجراء يساهم بشكل مباشر في تقليص كلفة توريد السيارات الكهربائية وانعكاس ذلك على أسعارها النهائية في السوق.
كما تم التخفيض في الأداء على القيمة المضافة من 19 بالمائة إلى 7 بالمائة بالنسبة إلى السيارات الكهربائية، إلى جانب اعتماد معلوم جولان بنسبة 50 بالمائة، وهو ما يمنح هذا الصنف من السيارات امتيازات جبائية مقارنة بالسيارات التقليدية التي تعمل بالبنزين أو الديزل.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار توجه أوسع نحو تشجيع الانتقال التدريجي إلى وسائل نقل أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر احترامًا للبيئة، خاصة في ظل ارتفاع كلفة المحروقات وتزايد الحاجة إلى تقليص استهلاك الطاقة في قطاع النقل.
تغيير طريقة احتساب القوة الجبائية
ومن بين الإجراءات التي شهدها قطاع السيارات الكهربائية في تونس، اعتماد طريقة جديدة لاحتساب القوة الجبائية، بعد أن كانت السيارات الكهربائية تخضع سابقًا لمعادلات احتساب مخصصة للسيارات ذات المحركات الحرارية.
وكان النظام السابق يؤدي في بعض الحالات إلى تصنيف سيارات كهربائية ضمن قدرات جبائية مرتفعة، رغم اختلاف طبيعة محركاتها الكهربائية عن المحركات التقليدية، وهو ما كان يرفع الكلفة الجبائية على أصحابها.
وبموجب النظام الجديد، أصبحت السيارات الكهربائية تصنف ضمن قدرات جبائية تبدأ من حصانين أو ثلاثة أحصنة بالنسبة إلى بعض النماذج، ويمكن أن تصل إلى سبعة أحصنة بالنسبة إلى بعض السيارات الكهربائية الأكبر حجمًا، وهو ما من شأنه تخفيف الأعباء المرتبطة بمعلوم الجولان وغيرها من التكاليف.
أسعار السيارات الكهربائية تتراجع بشكل واضح
ومن أبرز النتائج التي بدأت تظهر في السوق التونسية، انخفاض أسعار عدد من السيارات الكهربائية نتيجة تراكم الامتيازات الجبائية وتوسع العرض.
وأشار المسؤول بالوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة إلى إمكانية تراجع سعر سيارة كهربائية كان يبلغ في السابق حوالي 100 ألف دينار إلى حدود 58 ألف دينار، أي بانخفاض يتجاوز 40 بالمائة في بعض الحالات.
كما أصبحت السوق التونسية تضم سيارات كهربائية بأسعار أكثر تنوعًا، حيث تتراوح أسعار بعض النماذج المعروضة حاليًا بين 45 ألفًا و65 ألف دينار، وهو مستوى سعري يفتح المجال أمام شريحة أكبر من التونسيين للتفكير في اقتناء سيارة كهربائية.
ولا يقتصر الأمر على انخفاض الأسعار فقط، بل شهد السوق أيضًا توسعًا واضحًا في عدد العلامات والموديلات المتوفرة، ما يمنح المستهلك خيارات أكثر من حيث السعر والحجم ومدى السير والتجهيزات.
أكثر من 60 نموذجًا في السوق التونسية
ومن العوامل التي ساهمت في تنشيط سوق السيارات الكهربائية، إخراج السيارات الكهربائية من نظام الحصص، الأمر الذي ساعد على توسيع العرض ورفع عدد النماذج المتوفرة.
فبعد أن كان عدد النماذج المعروضة في السوق التونسية يقدّر بحوالي 15 نموذجًا فقط في السابق، ارتفع العدد حاليًا إلى أكثر من 60 نموذجًا، وفق المعطيات المقدمة من الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة.
ويعكس هذا التطور تغيرًا واضحًا في طبيعة السوق، حيث أصبحت السيارات الكهربائية تشمل فئات مختلفة، من السيارات الصغيرة الموجهة للاستعمال داخل المدن، إلى السيارات العائلية وسيارات الدفع الرباعي والنماذج الأعلى تجهيزًا.
كما أن تعدد الخيارات والأسعار قد يدفع المنافسة بين المورّدين والوكلاء إلى الارتفاع، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على المستهلك التونسي خلال الفترة المقبلة.
نحو 185 سيارة كهربائية خلال شهرين فقط
وتؤكد أرقام التسجيلات الرسمية نسبيًا هذا التسارع في الإقبال على السيارات الكهربائية.
فخلال سنة 2025، تم تسجيل ما بين 500 و520 سيارة كهربائية في تونس، بينما تم تسجيل حوالي 185 سيارة خلال الشهرين الأولين فقط من سنة 2026.
وتشير هذه الأرقام إلى إمكانية تسجيل نمو مهم في السوق خلال كامل سنة 2026 إذا تواصل النسق نفسه، خاصة مع انخفاض الأسعار وتوسع العرض وتعدد النماذج المتاحة أمام المستهلك.
ويأتي هذا التطور في وقت يتزايد فيه اهتمام التونسيين بكلفة استعمال السيارة، وخاصة أسعار الوقود والصيانة، وهي عوامل تجعل السيارة الكهربائية محل اهتمام متزايد لدى فئة من المستهلكين.
ماذا عن شحن السيارات الكهربائية؟
ويبقى تطوير شبكة شحن السيارات الكهربائية أحد أبرز التحديات التي تواجه توسع هذا السوق في تونس.
وفي هذا السياق، أوضح مدير إدارة النجاعة الطاقية في قطاع النقل أن الإحصائيات الدولية للوكالة الدولية للطاقة تشير إلى أن حوالي 90 بالمائة من عمليات شحن السيارات الكهربائية تتم في الفضاءات الخاصة، وخاصة في المنازل وأماكن العمل.
في المقابل، لا تتجاوز عمليات الشحن عبر نقاط الشحن العمومية حوالي 10 بالمائة من إجمالي عمليات الشحن، فيما يمثل الشحن السريع بالتيار المستمر حوالي 3 بالمائة فقط من عمليات الشحن العمومية.
وتعكس هذه المعطيات أهمية الشحن المنزلي بالنسبة لمستخدمي السيارات الكهربائية، خاصة بالنسبة إلى أصحاب السيارات الذين تتوفر لديهم إمكانية تركيب معدات الشحن في المنزل أو مكان العمل.
إطار قانوني جديد لنشاط الشحن
ومع ارتفاع عدد السيارات الكهربائية، أصبحت الحاجة إلى تطوير البنية التحتية للشحن أكثر إلحاحًا، وهو ما دفع إلى العمل على وضع إطار قانوني ينظم نشاط شحن السيارات الكهربائية في تونس.
ومن المنتظر أن يساهم تنظيم هذا النشاط في تشجيع الاستثمار في محطات الشحن، وتوسيع الشبكة العمومية، وتحسين الخدمات المقدمة لمستعملي السيارات الكهربائية، بما يواكب ارتفاع عددها خلال السنوات المقبلة.
كما أن توفير نقاط شحن موزعة على مختلف الجهات والطرقات الرئيسية سيكون عنصرًا أساسيًا في طمأنة المستهلكين الراغبين في الانتقال من السيارات التقليدية إلى السيارات الكهربائية.
سوق مرشحة لمزيد من النمو
وتشير مختلف هذه المعطيات إلى أن سوق السيارات الكهربائية في تونس بدأت تدخل مرحلة جديدة، مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية: الامتيازات الجبائية، انخفاض أسعار عدد من النماذج، وتوسع العرض المتوفر في السوق.
ومع وجود أكثر من 60 نموذجًا حاليًا، وأسعار تبدأ بالنسبة لبعض السيارات من مستويات أكثر قابلية للنفاذ، إلى جانب تسجيل نحو 185 سيارة خلال أول شهرين من سنة 2026، تبدو السوق أمام إمكانية تحقيق نمو أكبر خلال الفترة القادمة.
ويبقى نجاح هذا التحول مرتبطًا أيضًا بتطور البنية التحتية للشحن، واستمرار الحوافز الجبائية، وتوفير السيارات الكهربائية بأسعار تناسب القدرة الشرائية للمستهلك التونسي.
وبذلك، لم تعد السيارة الكهربائية في تونس مجرد خيار محدود أو موجه لفئة معينة من المستهلكين، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى جزء متنامٍ من سوق السيارات التونسية، وسط توقعات بمزيد من المنافسة وتنوع الموديلات وتراجع الأسعار كلما توسع العرض وتطورت الإجراءات الداعمة لهذا القطاع.

تعليقات
إرسال تعليق