منصف المرزوقي يصعّد لهجته تجاه قيس سعيّد ويحذّر من تدخل الجيش: «بن علي 2»
عاد الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي إلى واجهة المشهد السياسي بتصريحات قوية انتقد فيها بشدة مسار الحكم في تونس، موجّهًا رسائل مباشرة إلى الرئيس قيس سعيّد، ومحذرًا في الوقت ذاته من تداعيات أي تدخل للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
وخلال ظهوره في برنامج «بلا قيود» على قناة BBC، تحدث المرزوقي عن تجربته السياسية، والانتخابات الرئاسية التي خاضها سنة 2014، كما أعلن بوضوح أنه لا ينوي الترشح للانتخابات الرئاسية مجددًا، معتبرًا أن المرحلة السياسية التي عاشتها تونس منذ ذلك الوقت شهدت تحولات عميقة.
المرزوقي: الإعلام الفاسد تجنّد ضدي
وفي حديثه عن تجربته السياسية، قال المرزوقي إن ما وصفه بـ**«الإعلام الفاسد»** تجنّد ضده، معتبرًا أن التغطية الإعلامية التي رافقت مسيرته السياسية أثرت في صورته لدى الرأي العام وفي نتائج الاستحقاقات الانتخابية.
ويرى المرزوقي أن تجربته في الحكم وما رافقها من صراعات سياسية وإعلامية كانت جزءًا من مسار أكبر شهدته تونس بعد الثورة، في ظل الانقسامات الحادة التي طبعت الحياة السياسية خلال السنوات التي تلت سقوط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.
كما أعلن الرئيس الأسبق أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية مستقبلًا، واضعًا بذلك حدًا للتكهنات المتعلقة بإمكانية عودته إلى السباق الانتخابي في الاستحقاقات المقبلة.
هجوم مباشر على قيس سعيّد
وفي حديثه عن الوضع السياسي الراهن، استخدم المرزوقي لهجة حادة تجاه الرئيس قيس سعيّد، واصفًا إياه بـ**«الدكتاتور»**، في توصيف يعكس موقفه السياسي الرافض لمسار السلطة الحالي.
ويأتي هذا الموقف في سياق انتقادات المرزوقي المتكررة لما يعتبره تراجعًا عن المسار الديمقراطي الذي أعقب الثورة التونسية.
ويرى الرئيس الأسبق أن التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة غيّرت طبيعة النظام السياسي وأعادت، وفق قراءته، إنتاج مظاهر من الحكم الفردي التي كانت الثورة التونسية قد قامت ضدها.
انتخابات 2014.. «بداية نهاية الثورة» وفق المرزوقي
وعاد المرزوقي خلال المقابلة إلى الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، والتي خسرها أمام الباجي قائد السبسي، معتبرًا أن تلك النتيجة شكّلت، بحسب تعبيره، «بداية نهاية الثورة التونسية وتصفيتها».
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة في تاريخ الانتقال السياسي التونسي، باعتبارها أول انتخابات رئاسية مباشرة بعد إقرار دستور 2014، وشهدت منافسة قوية بين المرزوقي وقائد السبسي.
ويقدم المرزوقي قراءة خاصة لتلك المرحلة، إذ يعتبر أن المسار الذي أعقب الانتخابات لم يؤدِ إلى ترسيخ أهداف الثورة بالشكل الذي كان يتطلع إليه، بل مهّد، من وجهة نظره، لتحولات سياسية انتهت إلى الوضع الحالي.
تحذير من تدخل المؤسسة العسكرية
ولم تقتصر تصريحات المرزوقي على انتقاد السلطة السياسية، بل تناولت كذلك دور المؤسسة العسكرية في حال حدوث أزمة سياسية داخل البلاد.
وحذّر الرئيس الأسبق من تدخل الجيش في الشأن السياسي، معتبرًا أن أي تحرك عسكري يمكن أن يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة على مستقبل البلاد.
وفي هذا السياق، حذّر من إمكانية أن يؤدي تدخل المؤسسة العسكرية إلى ظهور ما سماه «بن علي 2»، في إشارة إلى احتمال عودة نموذج الحكم الفردي، ولكن في صورة جديدة.
ودعا المرزوقي الشعب التونسي إلى التصدي لأي محاولة لإقحام المؤسسة العسكرية في الصراع السياسي، مؤكدًا أهمية بقاء الجيش بعيدًا عن التجاذبات الحزبية والسياسية.
دعوة للجيش والأمن إلى «إزاحة سعيّد» ثم العودة إلى الثكنات
ومن أبرز ما جاء في تصريحات الرئيس الأسبق دعوته، وفق ما نقل عن المقابلة، الجيش والأمن إلى «إزاحة قيس سعيّد ثم العودة إلى ثكناتهم وتسليم السلطة».
وتُعد هذه الدعوة من أكثر النقاط إثارة للجدل في تصريحاته، لأنها تضع المؤسسة الأمنية والعسكرية في صلب تصوره للخروج من الأزمة السياسية الحالية، رغم تحذيره في الوقت نفسه من تدخل الجيش في السياسة.
ويقدم المرزوقي تصوره باعتباره إجراءً استثنائيًا يعقبه انسحاب المؤسسة العسكرية والأمنية من المشهد السياسي وتسليم السلطة، إلا أن هذا الطرح يفتح في المقابل نقاشًا واسعًا حول حدود دور المؤسسة العسكرية في الأنظمة الديمقراطية، ومخاطر انتقالها من موقع حماية الدولة إلى موقع التأثير المباشر في السلطة.
جدل واسع حول تصريحات الرئيس الأسبق
ومن المنتظر أن تثير تصريحات المرزوقي نقاشًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا في تونس، خصوصًا أنها تناولت ملفات شديدة الحساسية، من بينها مستقبل النظام السياسي، ودور الجيش، ومسار الانتقال الديمقراطي، ومستقبل الرئيس قيس سعيّد.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الانقسام السياسي حول تقييم المرحلة التي تعيشها تونس، بين من يرى أن الإجراءات التي اتخذها سعيّد مثّلت تصحيحًا لمسار سياسي اتسم بالأزمات، وبين من يعتبرها تراجعًا عن المسار الديمقراطي الذي تأسس بعد الثورة.
وبين هذين الموقفين، يواصل المشهد السياسي التونسي طرح أسئلة صعبة بشأن شكل الدولة والنظام السياسي، وحدود صلاحيات المؤسسات، ومستقبل التعددية السياسية.
المرزوقي يعلن نهاية طموحه الرئاسي
وفي جانب آخر من المقابلة، حسم المرزوقي موقفه من إمكانية العودة إلى السباق الرئاسي، معلنًا أنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية مستقبلًا.
ويضع هذا الإعلان حدًا، على الأقل وفق تصريحاته الحالية، للتكهنات بشأن إمكانية عودته إلى المنافسة الانتخابية، بعد مسيرة سياسية طويلة ارتبطت بشكل وثيق بمرحلة ما بعد الثورة.
وقد تولى المرزوقي رئاسة الجمهورية التونسية بين عامي 2011 و2014، قبل أن يخسر الانتخابات الرئاسية أمام الباجي قائد السبسي.
تصريحات تعيد فتح ملفات المرحلة الانتقالية
وتعيد تصريحات المرزوقي إلى الواجهة عددًا من الملفات التي رافقت تونس منذ الثورة، وعلى رأسها العلاقة بين المؤسسات المنتخبة، ودور الجيش والأمن، وحدود السلطة التنفيذية، ومستقبل التجربة الديمقراطية.
كما تعيد النقاش حول انتخابات 2014 وما إذا كانت بالفعل نقطة تحول في مسار الثورة، كما يراها المرزوقي، أم أنها كانت محطة طبيعية ضمن انتقال سياسي شهد لاحقًا أزمات وصراعات متعددة.
وفي جميع الأحوال، فإن تصريحات الرئيس الأسبق تعكس موقفًا سياسيًا واضحًا من التطورات التي شهدتها البلاد، وتكشف استمرار الخلاف العميق بشأن تقييم مسار تونس السياسي منذ الثورة وحتى المرحلة الحالية.
الخلاصة
بين إعلان عدم العودة إلى السباق الرئاسي، ووصف قيس سعيّد بـ«الدكتاتور»، والتحذير من سيناريو «بن علي 2»، وصولًا إلى دعوته الجيش والأمن إلى التحرك ثم العودة إلى الثكنات، حمل ظهور منصف المرزوقي الأخير رسائل سياسية ثقيلة من شأنها أن تعيد إشعال النقاش حول مستقبل الحكم في تونس.
ويبقى الجدل مفتوحًا حول هذه التصريحات ومآلاتها، في وقت تظل فيه الأسئلة المتعلقة بالديمقراطية، ودور المؤسسات، ومستقبل السلطة، من أكثر الملفات حساسية في المشهد التونسي.

تعليقات
إرسال تعليق