مسيرة معارضة في تونس.. محمد البوزيدي يتحدث عن حجم التعبئة والمشاركة ويثير تساؤلات حول قدرة المعارضة على الحشد
شهدت العاصمة تونس، اليوم الجمعة، تنظيم مسيرة شاركت فيها أطراف وقوى سياسية معارضة، في تحرك أعاد المشهد السياسي إلى واجهة الأحداث، وسط دعوات مكثفة سبقت موعد المسيرة وحملة تعبئة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
وجاء تنظيم المسيرة في ظل استمرار التجاذبات السياسية في تونس، وتواصل الخلاف بين مؤيدي رئيس الجمهورية قيس سعيّد ومعارضيه بشأن طبيعة المرحلة السياسية التي تمر بها البلاد، ومسارها خلال السنوات الأخيرة.
وقد حظي التحرك باهتمام سياسي وإعلامي، خصوصاً في ظل الدعوات التي سبقت المسيرة، والتي دعت أنصار المعارضة إلى النزول إلى الشارع والمشاركة في التحرك بالعاصمة.
تعبئة واسعة سبقت المسيرة
وفي تغطية ميدانية من شارع الحبيب بورقيبة، تحدث الصحفي محمد البوزيدي عن الأجواء التي سبقت تنظيم المسيرة، مشيراً إلى وجود حملة ترويج واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، شاركت فيها صفحات وشخصيات سياسية مختلفة.
وأوضح البوزيدي، وفق ما ورد في حديثه الميداني، أن الدعوات إلى المشاركة لم تقتصر على جهة سياسية واحدة، وإنما جاءت من أطراف متعددة ذات خلفيات وتوجهات مختلفة، وهو ما عكس، بحسب وصفه، محاولة لتجميع عدد أكبر من الأنصار في هذا التحرك.
كما أشار إلى مشاركة أطراف وصفها بأنها ذات توجهات سياسية مختلفة، متحدثاً عن وجود ما سماه أطرافاً «دستورية وحوانية»، في إشارة إلى تعدد الخلفيات السياسية للجهات التي شاركت في الدعوة أو الحضور.
وتحدث الصحفي كذلك عن دور عدد من الصفحات والشخصيات في عملية التعبئة، مستخدماً أوصافاً حادة تجاه بعض الجهات، من بينها اتهامه لعدد من الصفحات بأنها «مأجورة من الخارج».
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتهامات تندرج ضمن تصريحات البوزيدي وتقييمه للمشهد، ولا يمكن اعتبارها حقائق مثبتة من دون أدلة مستقلة تؤكدها.
«موعد إسقاط قيس سعيّد».. خطاب تصعيدي قبل التحرك
ومن أبرز النقاط التي أثارت الانتباه في حديث محمد البوزيدي، إشارته إلى أن بعض الجهات الداعية إلى المسيرة قدمت التحرك على أنه «موعد إسقاط قيس سعيّد».
وبحسب البوزيدي، فإن هذا الخطاب رفع سقف التوقعات بشأن حجم المشاركة المنتظرة، خصوصاً في ظل الانتشار الكبير للدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وما رافقها من رسائل سياسية حثت أنصار المعارضة على المشاركة بكثافة.
وقد ساهمت طبيعة الخطاب الذي سبق المسيرة في تحويل التحرك، بالنسبة إلى متابعين للشأن السياسي، إلى اختبار جديد لمدى قدرة القوى المعارضة على الانتقال من النشاط السياسي والإعلامي إلى الحشد الشعبي في الشارع.
وكان السؤال المطروح قبل انطلاق المسيرة يتمثل أساساً في مدى قدرة حملة التعبئة الإلكترونية على ترجمة نفسها إلى حضور جماهيري واسع في قلب العاصمة.
ماذا حدث في شارع الحبيب بورقيبة؟
مع انطلاق التحرك، انتقل الاهتمام من حجم الدعوات الافتراضية إلى المشهد الميداني في شارع الحبيب بورقيبة، حيث تابع الحاضرون ووسائل الإعلام حجم المشاركة الفعلية في المسيرة.
وخلال تغطيته من مكان الحدث، قدّر محمد البوزيدي عدد المشاركين بحوالي 250 شخصاً على أقصى تقدير، مؤكداً بذلك، وفق تقديره، وجود فارق بين حجم التعبئة التي سبقت المسيرة وبين عدد المشاركين الذين حضروا ميدانياً.
ولا يمثل هذا الرقم حصيلة رسمية، كما أنه ليس تقديراً صادراً عن جهة مستقلة متخصصة في إحصاء الحشود، وإنما هو تقدير ميداني قدمه الصحفي خلال تغطيته للحدث.
ومن هنا تبرز أهمية التعامل بحذر مع أرقام المشاركة في التجمعات والمسيرات السياسية، إذ يمكن أن تختلف التقديرات باختلاف زاوية الرصد وتوقيت التصوير وطريقة احتساب المشاركين.
بين التوقعات والحضور الفعلي
اللافت في مسيرة اليوم كان، بحسب ما طرحه البوزيدي، التباين بين حجم الحملة التي سبقت التحرك وبين الحضور الذي قال إنه شاهده على أرض الواقع.
فخلال الأيام التي سبقت المسيرة، انتشرت دعوات عديدة للمشاركة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وصدرت مواقف من شخصيات وأطراف سياسية مؤيدة للتحرك، وهو ما خلق توقعات بشأن إمكانية تسجيل مشاركة جماهيرية كبيرة.
لكن التقدير الميداني الذي قدمه البوزيدي أظهر، بحسب وصفه، أن الحضور كان أقل من مستوى التوقعات التي سبقت المسيرة.
وهذا التباين يطرح سؤالاً مهماً حول قدرة القوى السياسية المعارضة على تحويل التأثير الرقمي إلى حشد ميداني، خصوصاً في ظل الاعتماد المتزايد على منصات التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى التحركات السياسية.
المعارضة أمام اختبار الحشد الشعبي
ولا تتعلق أهمية المسيرة بعدد المشاركين فقط، بل بما يمكن أن تكشفه عن قدرة المعارضة التونسية على تنظيم تحركات جماهيرية مؤثرة.
فالحضور في الشارع يمثل أحد المؤشرات التي تعتمد عليها القوى السياسية لقياس قدرتها على التعبئة والتأثير، غير أن تقييم قوة أي تيار سياسي لا يمكن اختزاله في عدد المشاركين في مسيرة واحدة.
وتبقى هناك عوامل أخرى، من بينها الحضور التنظيمي، والقدرة على التواصل مع الناخبين، والتأثير في النقاش العام، إضافة إلى القدرة على بناء تحالفات سياسية وتقديم خطاب قادر على استقطاب شرائح أوسع من المجتمع.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مسيرة اليوم باعتبارها محطة جديدة في الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة، أكثر من كونها مجرد تجمع عابر في العاصمة.
تجاذب سياسي مستمر في تونس
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الساحة السياسية التونسية تعيش على وقع خلافات عميقة بشأن طبيعة النظام السياسي والمسار الذي تسلكه البلاد.
ويؤكد أنصار الرئيس قيس سعيّد أن الإجراءات والسياسات التي تم اعتمادها خلال السنوات الماضية تهدف إلى إعادة ترتيب مؤسسات الدولة ومواجهة ما يعتبرونه إخفاقات المرحلة السياسية السابقة.
في المقابل، ترى قوى معارضة أن المسار السياسي الحالي أدى إلى تراجع التعددية السياسية، وتنتقد عدداً من القرارات والإجراءات التي اتخذتها السلطة خلال السنوات الأخيرة.
وبين الموقفين، يستمر التجاذب السياسي، سواء داخل المؤسسات أو في الشارع أو عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
هل تستطيع المعارضة تحويل الحملة الرقمية إلى قوة ميدانية؟
أعادت مسيرة اليوم طرح سؤال جوهري أمام القوى المعارضة: هل تكفي الحملات الإلكترونية والدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لإحداث تغيير سياسي ملموس على الأرض؟
فارتفاع عدد المنشورات والمشاركات والتفاعلات الرقمية لا يعني بالضرورة وجود قدرة مماثلة على تعبئة المواطنين ميدانياً.
وفي المقابل، فإن محدودية المشاركة في تحرك واحد لا تعني بالضرورة غياب التأثير السياسي للجهات المنظمة أو الداعية إليه.
ولهذا فإن تقييم المشهد يحتاج إلى متابعة التحركات المقبلة، ومدى قدرة المعارضة على تنظيم فعاليات أكثر اتساعاً، وكذلك معرفة ما إذا كانت هذه المسيرة ستبقى حدثاً منفرداً أم ستكون بداية لسلسلة جديدة من التحركات السياسية في العاصمة.
الأرقام تبقى محل نقاش
وفي ظل اختلاف التقديرات المتعلقة بأعداد المشاركين في المسيرات والتجمعات السياسية، تبقى الأرقام المتداولة بحاجة إلى التحقق والمقارنة بين مصادر متعددة.
فقد تقدم الجهات المنظمة أرقاماً تختلف عن تقديرات وسائل الإعلام أو المراقبين، كما يمكن أن تتغير التقديرات وفق توقيت التقاط الصور ومكان الوقوف وطريقة احتساب المشاركين.
وعليه، فإن رقم 250 مشاركاً الذي تحدث عنه محمد البوزيدي ينبغي التعامل معه باعتباره تقديراً ميدانياً شخصياً وليس رقماً رسمياً أو نتيجة إحصاء مستقل.
المشهد السياسي إلى أين؟
في النهاية، لا تبدو مسيرة اليوم مجرد تحرك في شارع الحبيب بورقيبة، بل تأتي في إطار صراع سياسي متواصل بين مؤيدي قيس سعيّد ومعارضيه.
وبينما تسعى المعارضة إلى إثبات قدرتها على الحضور في الشارع، تظل قدرتها على توسيع قاعدة المشاركة وتحويل الحملات الرقمية إلى تحركات جماهيرية واسعة أحد أبرز التحديات التي تواجهها خلال المرحلة المقبلة.
أما تصريحات محمد البوزيدي، وما رافق المسيرة من جدل بشأن حجم المشاركة والجهات الداعية إليها، فقد فتحت بدورها نقاشاً جديداً حول حقيقة موازين القوى في الشارع التونسي، ومدى قدرة المعارضة على ترجمة خطابها السياسي إلى حضور جماهيري فعلي.
ويبقى السؤال الأبرز الذي ستجيب عنه التطورات المقبلة: هل كانت مسيرة اليوم مجرد تحرك محدود، أم أنها بداية لسلسلة جديدة من التحركات التي قد تعيد رسم المشهد السياسي في تونس؟

تعليقات
إرسال تعليق