محرز الغنوشي يكشف: مؤشرات مقلقة تظهر على الخرائط.. وهذا ما ينتظر التونسيين في هذا التاريخ
تتجه الأنظار خلال الأيام القادمة إلى تطورات الطقس في تونس، في ظل ظهور مؤشرات جوية جديدة قد تنقل الأجواء تدريجيًا من النمط الدافئ والمستقر نسبيًا إلى وضعية أكثر اضطرابًا، وفق ما أشار إليه الخبير في الشأن الجوي محرز الغنوشي.
وتبرز الفترة الممتدة من 10 إلى 14 سبتمبر كنافذة زمنية تستحق المتابعة، ليس بالضرورة بسبب توقع أمطار عادية فحسب، وإنما نتيجة احتمال حدوث تغير في عدد من العوامل الجوية التي تتحكم في تشكل السحب الركامية والعواصف الرعدية.
وبحسب القراءة الحالية للمعطيات الجوية، فإن المشهد لا يسمح بعد بالجزم بعودة حالة مطرية استثنائية أو تكرار سيناريوهات الفيضانات السابقة، إلا أن بعض المؤشرات بدأت تلفت الانتباه، خاصة مع اقتراب الهواء البارد نسبيًا في الطبقات العليا من أجواء المتوسط، بالتزامن مع استمرار دفء مياه البحر.
بداية تغير في النمط الجوي
بعد فترة من الأجواء الدافئة التي ميزت جزءًا مهمًا من بداية شهر سبتمبر، بدأت الخرائط الجوية تشير تدريجيًا إلى إمكانية حدوث تغير في الوضعية السينوبتيكية فوق منطقة البحر المتوسط.
ويتمثل أحد أهم العناصر التي تستحق المراقبة في احتمال دخول هواء أبرد في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.
هذا العامل يمكن أن يصبح أكثر أهمية عندما يتزامن مع وجود هواء دافئ ورطب في الطبقات السفلى، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الفارق الحراري بين المستويات المختلفة من الغلاف الجوي.
وكلما ازداد هذا الفرق، ارتفعت قابلية الأجواء لعدم الاستقرار، خصوصًا إذا توفرت في الوقت نفسه آليات رفع تساعد الهواء الدافئ والرطب على الصعود وتكوين السحب الركامية.
البحر المتوسط.. عنصر مهم في المعادلة
من العوامل التي تستحق الاهتمام أيضًا استمرار دفء مياه البحر المتوسط خلال هذه الفترة من السنة.
فالمياه الدافئة توفر كميات مهمة من الرطوبة إلى الطبقات القريبة من سطح البحر، وعندما تتواجد هذه الرطوبة مع هواء أبرد في الطبقات العليا، يمكن أن تتطور ظروف أكثر ملاءمة لعدم الاستقرار الجوي.
لكن وجود بحر دافئ وحده لا يعني بالضرورة حدوث أمطار غزيرة.
فحتى تتحول الرطوبة إلى حالة جوية مؤثرة، لا بد من توافر مجموعة أخرى من العوامل، من بينها موقع الأخدود العلوي، وحركة الهواء، ومناطق التقارب، ودرجة عدم الاستقرار، إضافة إلى قدرة الخلايا الرعدية على البقاء فوق المنطقة نفسها لفترة طويلة.
وهنا تكمن أهمية متابعة الخرائط خلال الأيام المقبلة.
لماذا الفترة بين 10 و14 سبتمبر مهمة؟
الفترة القادمة لا تعني بالضرورة أن تونس ستشهد حالة جوية قوية على كامل البلاد، وإنما تشير إلى وجود نافذة زمنية يمكن خلالها أن تتطور اضطرابات جوية محلية إذا اجتمعت العناصر المناسبة.
وتتمثل أبرز النقاط التي تستحق المتابعة في:
- دخول هواء أبرد نسبيًا في الطبقات العليا.
- استمرار دفء البحر المتوسط.
- توفر الرطوبة في الطبقات السفلى.
- ارتفاع الفارق الحراري بين الطبقات.
- وجود آليات رفع وتقارب مناسبة.
- إمكانية تشكل خلايا رعدية محلية.
- احتمال تكرار الخلايا فوق مناطق محددة إذا كانت حركة المنظومة الجوية بطيئة.
وفي حال اجتمعت هذه العوامل في المكان والوقت المناسبين، يمكن أن تتطور الخلايا الركامية بسرعة، وقد تكون الأمطار قوية محليًا رغم أن الحالة لا تكون بالضرورة شاملة لكل البلاد.
هل نحن أمام أولى الحالات الخريفية المهمة؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه حاليًا.
فمع دخول شهر سبتمبر، تبدأ طبيعة الأجواء في منطقة المتوسط بالتحول تدريجيًا من النمط الصيفي نحو وضعيات أكثر ديناميكية، لكن الانتقال لا يحدث دفعة واحدة.
وقد تكون بعض الاضطرابات محدودة ومحلية، بينما يمكن لاضطرابات أخرى، في ظروف معينة، أن تتطور إلى حالات مطرية أكثر أهمية.
المؤشرات الحالية تجعل الفترة القادمة جديرة بالمراقبة، لكن من المبكر جدًا اعتبارها حالة خريفية استثنائية مؤكدة.
فالفرق بين اضطراب عادي وحالة جوية قوية قد يكون مرتبطًا بتفاصيل صغيرة جدًا في تمركز المنخفض أو الأخدود، ومكان تشكل الخلايا الرعدية، وسرعة تحركها.
ماذا يمكن أن يحدث إذا اجتمعت العوامل؟
في السيناريو الأكثر نشاطًا، يمكن أن تتشكل خلايا رعدية فوق بعض المناطق، ترافقها زخات من الأمطار قد تكون غزيرة لفترات قصيرة.
وقد تترافق أقوى الخلايا مع نشاط في الرياح والبرق والرعد، وربما تساقط البَرَد محليًا.
أما السيناريو الأكثر أهمية فيتعلق بإمكانية تجدد الخلايا فوق نفس المنطقة أو بقائها بطيئة الحركة.
وهنا يمكن أن تتراكم كميات كبيرة من الأمطار خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يرفع خطر تجمع المياه والسيول محليًا، خاصة في المناطق المنخفضة والمجاري المائية والمناطق التي تكون فيها قدرة تصريف المياه محدودة.
لكن هذا السيناريو يبقى مرتبطًا بتطورات الخرائط خلال الفترة القادمة، ولا يمكن تأكيده في هذه المرحلة.
مقارنة مع بنزرت 2018.. لماذا يتم استحضار هذا السيناريو؟
عند الحديث عن أمطار غزيرة في تونس خلال أواخر الصيف وبداية الخريف، تبرز إلى الذاكرة حالات جوية سابقة أظهرت قدرة منطقة المتوسط على إنتاج كميات كبيرة جدًا من الأمطار في فترة قصيرة.
ومن أبرز الأمثلة 24 أوت 2018 في بنزرت، عندما أدى تفاعل عدة عوامل جوية إلى أمطار استثنائية وتسجيل تأثيرات مائية وفيضانات في مناطق من الولاية.
لكن استحضار هذه الحادثة لا يعني أن السيناريو نفسه سيتكرر في سبتمبر 2026.
فالظروف الجوية تختلف من حالة إلى أخرى، وأي تشابه في بعض العناصر لا يكفي للقول إننا أمام تكرار للحالة التاريخية نفسها.
لذلك فإن المقارنة تستخدم فقط لفهم قدرة البيئة المتوسطية على إنتاج حالات رعدية قوية عندما تجتمع الرطوبة وعدم الاستقرار والديناميكية الجوية المناسبة.
ما الذي يجب مراقبته على الخرائط؟
خلال الأيام المقبلة، ستكون هناك مجموعة من المؤشرات التي يمكن من خلالها تقييم مدى تطور الحالة.
1. التبريد في طبقة 500 hPa
يعد مستوى 500 هكتوباسكال من المستويات المهمة عند تقييم عدم الاستقرار.
فكلما أصبح الهواء أكثر برودة في الطبقات العليا، في وجود هواء دافئ ورطب بالقرب من السطح، يمكن أن يزداد الفرق الحراري بين الطبقات.
2. موقع الأخدود العلوي
لا يكفي وجود الهواء البارد، بل يجب معرفة أين سيتمركز الأخدود العلوي وكيف سيتحرك.
فموقعه يمكن أن يحدد المناطق التي تحصل على أفضل ظروف الرفع وعدم الاستقرار.
3. الرطوبة السطحية
الرطوبة عنصر أساسي في أي حالة رعدية.
ووجود رطوبة متوسطية كافية يمكن أن يوفر الوقود اللازم لتطور السحب الركامية، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع آليات رفع مناسبة.
4. التقارب والرفع
وجود مناطق تقارب في الرياح يمكن أن يساعد على إجبار الهواء على الصعود.
وإذا تزامن ذلك مع عدم استقرار قوي ورطوبة مرتفعة، فقد تصبح الظروف أكثر ملاءمة لتشكل العواصف.
5. سرعة حركة الخلايا
هذه النقطة قد تكون حاسمة.
فالعاصفة التي تتحرك بسرعة قد تنتج أمطارًا قوية لكنها تمر خلال وقت قصير.
أما إذا أصبحت الخلايا بطيئة الحركة أو تجددت فوق المنطقة نفسها، فقد تتراكم كميات أكبر من الأمطار خلال فترة زمنية قصيرة.
هل ستكون كل تونس معنية؟
ليس بالضرورة.
في مثل هذه الوضعيات، يمكن أن تكون التأثيرات محلية جدًا.
وقد تشهد منطقة أمطارًا رعدية قوية، بينما لا تبعد عنها منطقة أخرى سوى عشرات الكيلومترات وتبقى دون أمطار مهمة.
ولهذا من الصعب في هذه المرحلة تحديد الولايات التي ستسجل أعلى الكميات بدقة، خصوصًا أن تفاصيل الخلايا الرعدية لا تصبح واضحة إلا مع اقتراب موعد الحالة.
وقد تتغير مراكز النشاط من تحديث إلى آخر مع تغير موقع الأخدود ومناطق التقارب والرطوبة.
وماذا عن بقية شهر سبتمبر؟
إلى جانب التوقعات الجوية القصيرة والمتوسطة المدى، توجد أيضًا مؤشرات من نماذج التنبؤ المناخي التي يمكن أن تعطي فكرة عامة عن الاتجاهات الشهرية.
وتشير بعض مخرجات النماذج المناخية إلى ميل مطري إيجابي لتونس خلال شهر سبتمبر.
لكن يجب التعامل مع هذه الإشارات بحذر.
فالتوقع المناخي الشهري لا يستطيع تحديد يوم معين ستحدث فيه عاصفة، ولا يمكن استخدامه وحده للتنبؤ بفيضان أو حالة جوية استثنائية.
إنه يعطي اتجاهًا عامًا فقط، بينما تحديد الحالة الجوية الفعلية يحتاج إلى نماذج الطقس قصيرة ومتوسطة المدى، إضافة إلى متابعة صور الأقمار الصناعية والرصدات الفعلية.
هل يجب الاستعداد من الآن؟
لا توجد في هذه المرحلة معطيات كافية للحديث عن حالة طوارئ أو عن فيضانات مؤكدة.
لكن من الناحية الجوية، فإن الفترة القادمة تستحق المتابعة الجدية، خصوصًا إذا بدأت الخرائط في تثبيت السيناريو المتعلق بالتبريد العلوي وارتفاع الرطوبة وعدم الاستقرار.
وفي حال صدور تحيينات جديدة ترفع من احتمال الأمطار الغزيرة أو العواصف الرعدية، فمن المهم الاعتماد على النشرات الرسمية للجهات المختصة.
الخلاصة
الفترة الممتدة من 10 إلى 14 سبتمبر تبدو حاليًا من أكثر الفترات التي تستحق المراقبة في تونس، مع وجود مؤشرات على إمكانية حدوث تغير في النمط الجوي.
ولا يعني ذلك أننا أمام تكرار لحالة بنزرت 2018، ولا يعني أيضًا أن البلاد ستشهد فيضانات أو أمطارًا استثنائية بشكل مؤكد.
لكن اجتماع هواء أبرد في الطبقات العليا، ورطوبة متوسطية، ودفء سطحي، وآليات رفع وتقارب يمكن أن يرفع من فرص تشكل خلايا رعدية قوية محليًا.
والعنصر الحاسم خلال الأيام المقبلة سيكون مدى تثبيت النماذج لهذا السيناريو، ومكان تمركز الاضطراب، وسرعة تحرك الخلايا.
لذلك، فإن الأنظار تتجه الآن إلى تحديثات الطقس القادمة، لأن التفاصيل التي قد تبدو صغيرة على الخرائط يمكن أن تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الفترة القادمة ستبقى مجرد اضطراب جوي عابر، أم ستتحول إلى أولى الحالات الخريفية اللافتة لهذا الموسم.
الفترة القادمة تستحق المتابعة.. لكن دون تهويل أو استباق الأحداث، فالتفاصيل الجوية الدقيقة ستتضح أكثر كلما اقترب الموعد.

تعليقات
إرسال تعليق