في إطار متابعته اللصيقة للمرافق العمومية الحيوية ودفع المشاريع المعطلة، أجرى رئيس الجمهورية قيس سعيد، عصر أمس، زيارة غير معلنة شملت محطة إنتاج المياه بـ "غدير القلة" وضفاف وادي مجردة بمعتمدية قلعة الأندلس. وتأتي هذه الجولات الميدانية لتؤكد على فلسفة العمل المباشر التي ينتهجها رئيس الدولة في معالجة الملفات الحارقة، وعلى رأسها أزمة المياه وتواتر انقطاع الخدمات الأساسية.
محطة "غدير القلة": تشخيص للإخلالات ودعوة لنجاعة التدخل والأقاليم
استهل رئيس الجمهورية جولته بزيارة مركب المياه بـ "غدير القلة" التابع للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد). وتفقد الرئيس مختلف مكونات هذه المحطة الاستراتيجية، حيث عاين عن كثب عدداً من النقائص والإخلالات الهيكلية والفنية التي تؤثر مباشرة على انتظام التزويد بالماء الصالح للشرب.
وفي مقطع فيديو نشرته رئاسة الجمهورية عبر صفحتها الرسمية، وجّه رئيس الدولة انتقادات لاذعة لطريقة تسيير بعض المفاصل داخل الشركة، مشدداً على أن "الأمر لا يمكن أن يستمر على هذا النحو". ورغم إقراره بالمجهودات المبذولة مؤخراً في الصيانة، فإنه أكد على ضرورة تلافي النقائص فوراً، سيما في العلاقة الرابطة بين المحطة المركزية ومختلف الأقاليم الجهوية.
رئيس الجمهورية: "إن الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه مرت بمراحل صعبة نتيجة تراكمات سابقة، ولكن اليوم لا مجال للأعذار، لابد من تجاوز هذه العقبات لأن المسألة تتعلق بقوت التونسيين وبمناطق واسعة داخل الجمهورية."
كما أشار الرئيس إلى أن توفر الإرادة السياسية، جنباً إلى جنب مع تجهيز الورشات المحلية وتوفير المعدات اللازمة في مختلف المدن، هو الكفيل باختصار الوقت والتدخل الفوري لإنهاء معاناة المواطنين من الانقطاعات المتكررة.
من جانبه، قدّم المسؤول عن الشركة عرضاً تقنياً حول التدخلات الأخيرة التي استهدفت دعم الموارد المائية في المناطق الداخلية، مستشهداً بالحلول الفنية التي تم تطبيقها في مدينتي المتلوي والمظيلة بولاية قفصة لضمان عدم تكرار الأعطاب وضمان استمرارية التزويد وفق المعايير المطلوبة.
انقطاعات الكهرباء المتزامنة: ملف يفتح باب المحاسبة
وفي سياق متصل بملف الخدمات الأساسية، توقف رئيس الجمهورية عند ظاهرة انقطاع التيار الكهربائي بصفة متواترة ومتزامنة في عدة مناطق من البلاد، واصفاً هذا الأمر بـ "غير الطبيعي". ووجّه الرئيس رسالة شديدة اللهجة إلى كافة المسؤولين في القطاع، مؤكداً أن كل مسؤول مطالب بتحمل تبعات تقصيره، وأن من أخلّ بواجبه الوطني والمهني في أداء المهام الموكلة إليه سيحاسب طبقاً للقانون.
منشآت وادي مجردة: الهندسة العسكرية تسرّع نسق الإنجاز
في المحطة الثانية من جولته الميدانية، تحول رئيس الدولة إلى منطقة "قنطرة بنزرت" بمعتمدية قلعة الأندلس، حيث عاين تقدم أشغال مشروع الحماية من الفيضانات على مستوى وادي مجردة، وهو المشروع الحيوي الذي تشرف على تنفيذه الإدارة العامة للهندسة العسكرية.
وثمّن رئيس الجمهورية المجهودات الجبارة والملموسة التي تبذلها المؤسسة العسكرية لإتمام ترميم جسر العبور بالطريق الوطنية رقم 8 في وقت قياسي. وشدد الرئيس في هذا الصدد على ضرورة صياغة "سياسة مائية شاملة وطويلة المدى" للاستفادة القصوى من الأمطار القياسية التي شهدتها عدة جهات، قائلًا إن إهدار هذه الثروة الربانية في البحر لم يعد مقبولاً في ظل شح المياه. وأكد أن تونس تمتلك كل الخيرات والإمكانيات الكفيلة بتحقيق تطلعات الشعب التونسي إذا ما توفر حسن التدبير.
معالم تاريخية منهوبة: "تاريخنا ليس للبيع"
لم تغب الأبعاد الثقافية والتاريخية عن جولة الرئيس؛ حيث استمع إلى شروح حول تاريخ "القنطرة الأثرية" التي يعود تاريخ بنائها إلى سنة 1608 م. وأبدى الرئيس أسفه الشديد لتحول هذا المعلم التاريخي الفريد إلى مصب عشوائي للفضلات بعد عقود طويلة من الإهمال الممنهج والتهميش.
واعتبر رئيس الجمهورية أن وضعية هذه القنطرة تختزل واقع العديد من المعالم والأثار التونسية التي طالها الإهمال، أو تم الاستيلاء عليها، أو تهريبها خارج حدود الوطن.
رئيس الجمهورية: "تاريخنا ليس للبيع أو المتاجرة، ومستقبل بلادنا بيد شعبنا وحده. على كل مسؤول في الدولة أن يستبطن حقوق الشعب التونسي المشروعة في كل قرار يتخذه أو خطوة يخطوها."
وفي ختام زيارته، حرص رئيس الجمهورية قيس سعيد على التفاعل المباشر مع عدد من المواطنين الذين تجمعوا في المكان، حيث أصغى بكل اهتمام إلى مشاغلهم اليومية ومطالبهم المتعلقة بالتنمية والخدمات، مؤكداً لهم أن الدولة لن تتخلى عن دورها الاجتماعي والسيادي.

تعليقات
إرسال تعليق