الدولة تتكفّل بمساهمات الضمان الاجتماعي للعمال لمدة 3 سنوات؟ تفاصيل إجراء جديد في مشروع قانون المالية لسنة 2027 ودعم منتظر لـ4600 موطن شغل
في إطار التوجه نحو دعم المؤسسات الصغرى وتشجيعها على الانتداب والحد من كلفة التشغيل، تضمّن مشروع قانون المالية لسنة 2027 إجراءً جديداً يتمثل في تخصيص اعتمادات مالية بقيمة 5 ملايين دينار للتكفّل بجزء من المساهمات الاجتماعية المحمولة على المؤجر لفائدة المؤسسات المعنية، وذلك لمدة تصل إلى ثلاث سنوات وفق نسب تتناقص تدريجياً من سنة إلى أخرى.
ويأتي هذا المقترح في سياق اقتصادي تتزايد فيه التحديات التي تواجه أصحاب المؤسسات، وخاصة المؤسسات الصغرى والمتوسطة والناشئة، التي تجد نفسها أمام أعباء مالية واجتماعية مرتفعة عند التفكير في انتداب أعوان جدد، وهو ما يجعل كلفة اليد العاملة أحد أبرز العوامل التي تؤثر في قرارات التوسع والاستثمار وخلق مواطن الشغل.
ويهدف هذا الإجراء، وفق المعطيات التي قدّمها مستشار الجباية علي الخريبي خلال تدخله بإذاعة «إكسبراس أف أم»، إلى تخفيف الأعباء الاجتماعية عن المؤجرين، ومساعدة المؤسسات على توفير فرص عمل إضافية، مع منحها هامشاً مالياً أكبر خلال السنوات الأولى من الانتداب.
الدولة تتحمّل مساهمات المؤجر في الضمان الاجتماعي لمدة 3 سنوات
من أبرز الإجراءات التي تضمّنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، مقترح التكفّل بمساهمة المؤجر في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، والتي تبلغ نسبتها 17.07% وفق النسبة المشار إليها في التصريح بالنسبة إلى الأجور المعتمدة على أساس الأجر الأدنى المضمون (SMIG).
ولا يكون هذا التكفّل كاملاً طوال السنوات الثلاث، بل يعتمد نظاماً تدريجياً يهدف إلى مساعدة المؤسسة في بداية الانتداب، ثم تمكينها من تحمل جزء متزايد من الأعباء الاجتماعية مع مرور الوقت.
وتتمثل نسب التكفّل المقترحة في ما يلي:
- السنة الأولى: تتكفّل الدولة بنسبة 100% من مساهمة المؤجر في الضمان الاجتماعي.
- السنة الثانية: تتراجع نسبة التكفّل إلى 75% من المساهمة المستوجبة.
- السنة الثالثة: تنخفض نسبة التكفّل إلى 50%، لتتحمل المؤسسة النصف المتبقي.
ويعكس هذا التدرج توجهاً نحو مرافقة المؤسسات خلال المرحلة الأولى من الانتداب، باعتبارها الفترة التي تكون فيها المصاريف مرتفعة، في حين لا تكون المداخيل دائماً كافية لتغطية مختلف الالتزامات المالية والاجتماعية.
كما يُنتظر أن يساعد هذا النظام المؤسسات على التخطيط بصورة أفضل لانتداباتها، خاصة أن الانتداب لا يرتبط فقط بدفع الأجور، بل يتطلب توفير موارد مالية لتغطية مختلف المساهمات القانونية المحمولة على المؤجر.
كم ستوفّر الدولة عن كل عامل؟ أرقام وتفاصيل
وباحتساب أجر أدنى مضمون في حدود 554.763 ديناراً، تبلغ قيمة مساهمة المؤجر في الضمان الاجتماعي، وفق المعطيات الواردة في التصريح، حوالي 94.690 ديناراً شهرياً عن كل عامل.
وهو مبلغ يمكن أن يمثل عبئاً إضافياً بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى، خاصة تلك التي تشغّل عدداً محدوداً من العمال أو التي لا تزال في مرحلة بناء نشاطها الاقتصادي.
ولفهم حجم الامتياز المقترح بصورة أوضح، يمكن اعتماد المثال الحسابي التالي، على أساس مساهمة شهرية قدرها 94.690 ديناراً:
فترة الانتداب| نسبة التكفّل| قيمة المساهمة التي تتحملها الدولة شهرياً
السنة الأولى| 100%| 94.690 ديناراً
السنة الثانية| 75%| 71.018 ديناراً تقريباً
السنة الثالثة| 50%| 47.345 ديناراً
وبذلك، يمكن للمؤسسة الاستفادة من تخفيض مهم في كلفة الانتداب خلال السنوات الثلاث الأولى، على أن ترتفع مساهمتها تدريجياً في تحمل الأعباء الاجتماعية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تقديرية، وتعتمد على الأجر والنسبة الواردين في المعطيات المقدمة، ولا تمثل بالضرورة المبالغ النهائية لكل الحالات، إذ يتوقف الاحتساب الفعلي على الشروط القانونية والترتيبات التطبيقية التي سيتم اعتمادها.
4600 موطن شغل منتظر.. هل يساهم الإجراء في الحد من البطالة؟
من بين الأهداف المعلنة لهذا المقترح المساهمة في دعم نحو 4600 موطن شغل، وهو رقم يعكس الرهان على المؤسسات الصغرى باعتبارها أحد المحركات الأساسية للتشغيل والنشاط الاقتصادي.
فالكثير من المؤسسات، وخاصة في قطاعات الخدمات والتجارة والصناعات الصغرى والحرف، تجد صعوبة في توسيع فرق عملها بسبب ارتفاع كلفة الأجور والمساهمات الاجتماعية.
وفي بعض الحالات، تكون المؤسسة قادرة على توفير نشاط إضافي أو التوسع في الإنتاج، لكنها تتردد في الانتداب بسبب المصاريف القارة التي ستتحملها شهرياً.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل التكفّل بمساهمة المؤجر حافزاً إضافياً لتشغيل اليد العاملة، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي ترغب في انتداب عمال جدد لكنها تواجه صعوبات في توفير التمويل اللازم.
كما يمكن أن يساعد هذا الإجراء على تشجيع التصريح بالعمال لدى الصناديق الاجتماعية، والحد من ظاهرة التشغيل غير المنظم، إذا تم ربط الانتفاع بالامتياز باحترام الالتزامات القانونية والاجتماعية.
غير أن تحقيق الأهداف المرجوة سيظل مرتبطاً بمدى وضوح شروط الانتفاع، وسهولة الإجراءات الإدارية، وقدرة المؤسسات المستهدفة على الاستفادة الفعلية من هذا الدعم.
ما علاقة هذا الإجراء بقانون الشركات الناشئة Startup Act؟
وفي سياق حديثه عن الامتيازات الاجتماعية والجبائية، تطرق مستشار الجباية علي الخريبي إلى التشجيعات التي يوفرها قانون الشركات الناشئة (Startup Act)، الذي دخل حيز التطبيق سنة 2018، بهدف دعم المبادرات الابتكارية ومرافقة المؤسسات الناشئة في مراحل التأسيس والتطوير.
ويمنح هذا الإطار القانوني، وفق شروط محددة، جملة من الامتيازات للمؤسسات الحاصلة على علامة «شركة ناشئة»، من بينها امتيازات اجتماعية وجبائية تساعدها على تخفيف الأعباء المالية خلال مرحلة الانطلاق.
وتكتسي هذه الامتيازات أهمية خاصة بالنسبة إلى الشركات الناشئة التي تعتمد على الكفاءات البشرية والتكنولوجيا والبحث والتطوير، وتحتاج إلى انتداب أصحاب الاختصاص والخبرات، في الوقت الذي تكون فيه مواردها المالية محدودة نسبياً.
ويأتي المقترح الجديد في مشروع قانون المالية لسنة 2027 ليعيد طرح مسألة تخفيف كلفة التشغيل باعتبارها إحدى الأولويات الاقتصادية، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي تسعى إلى الانتقال من النشاط المحدود إلى مرحلة التوسع وخلق مواطن شغل إضافية.
لماذا تختلف كلفة العامل عن الأجر الذي يتقاضاه شهرياً؟
ومن النقاط المهمة التي أثارها الخريبي مسألة الفارق بين الأجر الصافي الذي يحصل عليه العامل والكلفة الحقيقية التي تتحملها المؤسسة مقابل تشغيله.
فالكثير من الأجراء يعتقدون أن المصاريف التي تتحملها المؤسسة تقتصر على الأجر الشهري، في حين أن الكلفة الفعلية للانتداب تشمل مجموعة من الالتزامات الاجتماعية والجبائية والإدارية التي تضاف إلى الأجر الخام.
وتتضمن هذه الأعباء بالخصوص:
1. المساهمات المحمولة على المؤجر لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
2. المساهمات المتعلقة بالتكوين المهني.
3. المساهمات لفائدة صندوق النهوض بالسكن للأجراء (FOPROLOS).
4. الالتزامات الجبائية والاجتماعية الأخرى المرتبطة بالأجور.
5. بعض الامتيازات العينية التي يمكن أن توفرها المؤسسة لفائدة أعوانها.
وبالتالي، فإن الكلفة التي تتحملها المؤسسة لتشغيل عامل واحد قد تكون أعلى من المبلغ الذي يظهر في كشف الأجر، وهو ما يفسر الصعوبات التي تواجهها بعض المؤسسات عند الرغبة في توسيع عدد أعوانها.
تذاكر الأكل وسيارات الوظيفة والسكن.. امتيازات تخضع أيضاً لأحكام قانونية
كما تشمل الأعباء المرتبطة بالتشغيل بعض الامتيازات العينية التي تمنحها المؤسسات لموظفيها، على غرار تذاكر الأكل وسيارات الوظيفة وتوفير السكن.
ورغم أن هذه الامتيازات تمثل جزءاً من السياسة الاجتماعية للمؤسسة، فإنها لا تكون دائماً معفاة من الالتزامات الجبائية والاجتماعية، إذ تخضع إلى أحكام قانونية تختلف بحسب طبيعتها وشروط إسنادها وكيفية احتساب قيمتها.
وتتطلب هذه المسألة من أصحاب المؤسسات معرفة دقيقة بالقواعد الجبائية والاجتماعية المنظمة للأجور والامتيازات العينية، لتجنب الأخطاء عند إعداد التصاريح أو الخضوع لعمليات المراقبة.
أزمة الصناديق الاجتماعية وراء ارتفاع الأعباء
وفي تفسيره لأسباب ارتفاع المساهمات الاجتماعية، أشار الخريبي إلى الصعوبات المالية التي تواجهها منظومة الصناديق الاجتماعية في تونس، وعلى رأسها:
- الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
- الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (CNRPS).
- الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM).
وتواجه هذه الصناديق تحديات مرتبطة بالتوازنات المالية، من بينها اختلال العلاقة بين عدد المساهمين وعدد المنتفعين بالجرايات والخدمات الاجتماعية، إلى جانب ارتفاع الالتزامات المالية وتنامي ظاهرة العمل غير المصرح به.
وتؤثر هذه العوامل في قدرة الصناديق على توفير الموارد الضرورية لتغطية مختلف المصاريف والالتزامات، وهو ما يجعل مسألة إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي من الملفات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة بقوة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المحافظة على قاعدة المساهمين وتوسيعها، من خلال تشجيع المؤسسات على التصريح بعمالها، وإدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة في الدورة الاقتصادية الرسمية.
التصريح بالعمال.. حماية لحقوق الأجراء وتجنب للعقوبات
وشدد مستشار الجباية على أهمية التصريح بالعمال لدى الصناديق الاجتماعية، باعتبار ذلك التزاماً قانونياً أساسياً يضمن للأجير جملة من الحقوق الاجتماعية والصحية.
فعدم التصريح بالعامل لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على مستقبله الاجتماعي والمهني، خاصة في ما يتعلق بالتغطية الصحية والحقوق التقاعدية واسترجاع مصاريف العلاج وفق الشروط القانونية.
كما أن المؤسسة التي لا تحترم واجب التصريح قد تجد نفسها أمام تبعات قانونية ومالية، خاصة عند إخضاعها لعمليات المراقبة الاجتماعية والجبائية.
ومن هنا تأتي أهمية الإجراءات التي تستهدف تخفيف كلفة الانتداب، باعتبارها وسيلة محتملة لتشجيع المؤسسات على التشغيل القانوني، عوض اللجوء إلى العمل غير المصرح به نتيجة ارتفاع الأعباء.
متى يدخل إجراء التكفّل بمساهمات الضمان الاجتماعي حيز التنفيذ؟
رغم أهمية هذا المقترح وما يمكن أن يوفره من امتيازات للمؤسسات والأجراء، فإنه من الضروري التأكيد على أنه يندرج ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، ولا يمكن اعتباره إجراءً نافذاً بصفة نهائية في الوقت الحالي.
إذ يبقى دخوله حيز التطبيق مرتبطاً باستكمال المسار التشريعي والمصادقة النهائية على مشروع القانون، فضلاً عن صدور النصوص الترتيبية والتوضيحات اللازمة لتحديد المؤسسات المعنية وشروط الانتفاع والوثائق المطلوبة وآليات صرف الاعتمادات.
كما ينتظر أن تكشف التفاصيل التطبيقية عن طبيعة الانتدابات المشمولة بالإجراء، وما إذا كان الامتياز سيقتصر على الانتدابات الجديدة، فضلاً عن الضوابط المتعلقة بالأجور المرجعية والآجال والإجراءات الإدارية.
وتمثل هذه التفاصيل أهمية كبيرة بالنسبة إلى أصحاب المؤسسات والمحاسبين ومستشاري الجباية، باعتبارها ستحدد كيفية الاستفادة الفعلية من هذا الإجراء.
هل يمثل القرار بداية مرحلة جديدة لدعم المؤسسات والتشغيل في تونس؟
في المحصلة، يعكس مقترح التكفّل التدريجي بمساهمة المؤجر في الضمان الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات توجهاً نحو تخفيف الأعباء الاجتماعية التي تثقل كاهل المؤسسات، وخاصة الصغرى منها، في وقت أصبحت فيه كلفة التشغيل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستثمار وخلق مواطن الشغل.
فالتكفّل بنسبة 100% خلال السنة الأولى، ثم 75% خلال السنة الثانية و50% خلال السنة الثالثة، يمكن أن يوفر للمؤسسات متنفساً مالياً مهماً، ويساعدها على توجيه جزء من مواردها نحو تطوير النشاط وتوسيع الإنتاج وانتداب موارد بشرية إضافية.
لكن نجاح هذا الإجراء لن يقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة أو عدد المؤسسات التي ستنتفع به، بل بمدى قدرته على إحداث مواطن شغل فعلية ومستدامة، وتحسين ظروف التشغيل، وتعزيز التصريح القانوني بالعمال.
وبين تطلعات أصحاب المؤسسات إلى تخفيف الأعباء، وانتظارات الباحثين عن شغل، والتحديات المالية التي تواجه الصناديق الاجتماعية، يبقى الرهان الأساسي هو تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية الحقوق الاجتماعية للأجراء.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الإجراءات، في حال المصادقة عليها، في دفع المؤسسات التونسية إلى الانتداب وخلق آلاف مواطن الشغل الجديدة، أم أن ارتفاع بقية الأعباء والتكاليف سيظل عائقاً أمام توسعها؟
الإجابة ستتضح مع استكمال المسار التشريعي والكشف عن الشروط النهائية لتطبيق هذا الإجراء ضمن قانون المالية لسنة 2027.

تعليقات
إرسال تعليق